Continuer sur Netlog

Il reste secondes
Page profil de riyfakhri

riyfakhri

Garçon - 49 ans, Morocco
369 visiteurs

Blog 8


  • أحمد فؤاد نجم نفسي في صنف حشيش

    أحمد فؤاد نجم

    نفسى فى صنف حشيش

    نفسى فى صنف حشيش

    ينمل الدماغ وينظف النخاشيش

    علشان انسى طابور العيش

    واخش فى الغيبوبه وانسى مشكلة الانبوبه

    وانسى بلدنا المنهوبه

    وانسى اللى بيجهزوه علشان يبقى رئيس للمخروبه

    وابقى مسطول

    وانسى اى مسئول

    من اللى سابوا الناس فى السيول

    وانسى ان نظيف اتجوز وبقى بيعول

    وانسى مجلس الشعب وفتحى سرور

    وانسى البرادعى وايمن نور

    وانسى شوبير ومرتضى منصور

    وانسى تعديل الدستور

    وانسى اللى ساكنين فى القبور

    وانسى انفلونزا الطيور

    وانسى مشاريعنا الفاشله

    فى توشكى وابو طرطور

    واخش فى الاستهبال

    وانسى علاء وجمال

    وانسى التوريث

    و النيل اللى نازلين فيه تلويث

    وانسى ان منتخبنا كويس زى ماقال الريس

    وانسى تصدير الغاز

    واحنا عندنا ازمة بوتاجاز

    وانسى قطر العياط

    وانسى قطر الصعيد

    وانسى احمد عز واحتكا

  • ماستر قانون المقاولة التجارية ال

    ماستر
    قانون المقاولة التجارية

    ماستر يستجيب لانتظارات أهل القانون
    يهدف ماستر قانون المقاولة التجارية إلى توفير تكوين متنوع في مجمل العلاقات القانونية الداخلية و الخارجية للمقاولة التجارية و كذا تعميق فهم مختلف المجالات القانونية ذات الصلة بعالم المقاولات التجارية سواء منها المتعلق بقانون الشركات أو قانون الشغل أو القانون الضريبي أو قانون الملكية الفكرية أو قواعد مساطر صعوبات المقاولة أو قانون العقود كما ينفتح هذا التكوين على تخصصات جديدة لم يسبق للمجاز في الحقوق أن اطلع عليها مثل التحكيم و الوساطة الاتفاقية و قانون المنافسة و حماية المستهلك و قانون المعاملات الالكترونية.
    مضمون التكوين
    • العلاقات الداخلية و الخارجية للمقاولة
    • قانون الشركات
    • قانون الشغل
    • قانون الملكية الفكرية
    • مساطر صعوبات المقاولة
    • قانون العقود
    • التحكيم
    • قانون التجارة الدولية
    • القانون الضريبي و المحاسبي
    • قانون الاستهلاك و المنافسة

    شروط القبول
    • الإجازة في القانون الخاص
    • إجراء مقابلة شفوية
    مدة التكوين
    • أربع فصول على مدى سنتين
    تواريخ
    • وضع الملفات من 01شتنبر إلى 10 أكتوبر 2010
    • المقابلة الشفوية 16 أكتوبر 2010
    المسؤول عن الماستر
    الدكتور رياض فخري، أستاذ قانون الأعمال
    المـعنيون بالتـكويـن
     قضاة.
     محامين.
     مستشارين قانونيين.
     مسؤولوا الأقسام القانونية بالمقاولات الاقتصادية
    المتدخلون
    • د. عبد القادر تيعلاتي •د. عبد الله درميش
    • د. عبد اللطيف الخالـفي •د. طارق مصدق
    • د.محمد أبو الحسين • د. ضياء نعمان
    • د. رياض فخــري •د. منير المهـدي
    • د. نور الدين الناصري
    • د. محمد دريوش • د.محمد نتك
    للاتصال
    . الآنسة سناء
    كلم 3 طريق الدار البيضاء ص.ب: 784، سطات
    Tel : 06 61 47 05 83
    Fax : 05 23 72 40 87
    E.mail: sanaa.benkerroum@gmail.com Site web: www.fsjes.ac.ma/cfcp/

  • عقد الائتمان الايجاري بين مدونة



    1- على مستوى الشكل:

    - نصوص مدونة التجارة: المواد من 431 إلى 442 أي 12 مادة.
    - نصوص القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان: المواد 1 و 3 و 4 و 7 و 12 أي 05 مواد فقط.
    - بعض النصوص المتفرقة و المتغيرة في قوانين المالية التي تصدر كل سنة ، و تتعلق أساسا بالجوانب الضريبية و المحاسبية لعملية الائتمان الايجاري.
    2- بعض الملاحظات المتعلقة بالقواعد الموضوعية للائتمان الايجاري في مدونة التجارة :
    - صدور النصوص القانونية بعد 30 سنة من الممارسة نسخة وفية للقانون الفرنسي لسنة 1966 دون الأخذ بعين الاعتبار التعديلات المتلاحقة إلى حدود 1994 و لا ملاحظات الفقه و الاجتهادات القضائية ، و طبيعة و خصوصيات الممارسة في المغرب.
    - المادة 431 التي عرفت العملية المنقولة لم تقتصرعلى المنقولات المهنية المفترض أنها غاية العملية ، بل ذكرت السلع التجهيزية و المعدات و الآلات على إطلاقها بالرغم من أن مشروع 1988 كان ينص عليها.
    - قلة النصوص المخصصة للعملية في مدونة التجارة أدت إلى ترك عدة أمور ذات أهمية قصوى و غالبا ما تثير الكثير من المنازعات دون حسم :
    مصير المنقولات المؤجرة تمويليا في حالة تثبيتها في عقار حيث تصبح عقارات بالتخصيص وفقا للقواعد العامة . الأمر الذي ترفضه اتفاقية اوتاوا ل 28.5. 1988 و التي وقع عليها المغرب و إن كان لم يصدق عليها حتى الآن. حيث اعتبرت المادة 4 منها أن هذه المعدات تظل محتفظة بصفتها المنقولة.
    فيما يتعلق بالالتزامات و الحقوق المترتبة على ذمة الطرفين و لمصلحتهما ، فان المدونة أغفلت الحديث عنها ، الأمر الذي يترك المجال واسعا لسلطان الإرادة دون رقابة إلا رقابة القضاء ضد تعسف إرادة احد الطرفين ، الشيء الذي غالبا ما يحصل من قبل شركات الائتمان الايجاري التي أفرغت بهذه الطريقة عقد الكراء المنظم من قبل ق.ل.ع من محتواه جاعلة منه عقد فوري بدل أن كان متتالي التنفيذ ، و ملزم لجانب واحد بعد أن كان ملزم لجانبين ، كما حولته من عقد رضائي إلى عقد عيني. كما سمحت لشركات الائتمان الايجاري بإعفاء نفسها من ضمان العيوب الخفية محولة هذا الالتزام على عاتق البائع رغم أن لا شيء يربطه بالمستفيد من الناحية القانونية ، فظلت تبحث عن المصوغ القانوني الذي لا يستقيم دائما و الهدف المراد منه في إطار هذه العملية من : وكالة و إنابة و حلول و حوالة الحق و اشتراط لمصلحة الغير. مع انه كان بإمكان المشرع أن يتبنى ما ذهبت إليه اتفاقية اوتاوا و ما ذهب إليه بعض المشرعين كالمصري من منح المستفيد المستأجر دعوة مباشرة في مواجهة البائع لمطالبته بالضمان أساسها القانون مباشرة و ليس إرادة الأطراف.
    بالإضافة إلى أن المدونة أغفلت تنظيم علاقة المستفيد من العملية بالبائع ، هذه العلاقة التي لا وجود لأساس عقدي لها رغم ما تثيره من المشاكل القانونية أمام القضاء.
    عندما نص المشرع في المادة 433 على كون عقود الائتمان الايجاري تنص تحت طائلة البطلان على الشروط التي يمكن في ظلها فسخها ، فانه بذلك يكون قد ترك الباب واسعا و مفتوحا مرة أخرى أمام إرادة الطرف القوي الذي ليس سوى شركات الائتمان الايجاري التي لا تتوانى عن إدراج لائحة من الأوضاع التي يجوز لها فيها أن تطلب فسخ العقد بغض النظر عن ما إذا كان عدم تنفيذ العقد يرجع أم لا إلى أسباب تتعلق بالمستفيد المستأجر مع إضافة شرط جزائي يعمل به في كلتا الحالتين و تتم صياغته بشكل يمكن المؤجر من بلوغ كل أهدافه المتوخات من العقد ، الأمر الذي يؤدي غالبا إلى الجمع بين التعويض و التنفيذ.
    في نفس المادة 433 جعل المشرع مصير العقد الذي لا يتضمن هذه الشروط هو البطلان ، كما تحدث عن ضرورة تضمين العقد كيفية حل المنازعات الناشئة بسببه بصفة ودية دون أن يحدد صراحة ما إذا كان خلو العقد من هذه الكيفيات يؤدي أم لا إلى بطلانه ، مع ملاحظة أن مجموعة من العقود التي تمكنا من الاطلاع عليها و المبرمة بعد سنة 1996 تخلوا تماما من هذه الكيفيات.
    في المادة 435 يتحدث المشرع عن اختصاص رئيس المحكمة بصفته قاضي المستعجلات بالأمر بإرجاع الشيء محل الائتمان الايجاري بعد معاينة واقعة عدم الأداء و لكن الأمر على ما يبدوا يتعلق فقط بالعقار بصريح عبارة المشرع دون المنقول الأمر الذي يطرح معه السؤال حول الجهة المختصة بذلك . هل هي محكمة الموضوع ؟ أم محكمة الرئيس لكن بموجب القواعد العامة ؟
    المادة 436 تتحدث عن ضرورة شهر عمليات الائتمان الايجاري المنقول بالسجل المفتوح لهذه الغاية لدى كتابة الضبط الممسكة للسجل التجاري المسجل به المكتري ، الأمر الذي يفترض أن هذا المكتري يحمل بالضرورة الصفة التجارية . و الحال أن تعريف العملية في المادة 431 يؤدي إلى القول بشموله أيضا للائتمان الايجاري الاستهلاكي الذي يطلبه الأشخاص العاديين الغير تجار . فيطرح السؤال عن الجهة التي يتم شهر هذا النوع من العمليات لديها: هل هي نفس الجهة السابقة؟ أم أن هذا النوع من العمليات لا يتم شهره ؟ و في هذه الحالة ماذا عن الأثر المترتب عن ذلك و المنصوص عليه في المادة 440؟
    المادة 440 تتحدث عن عدم قدرة شركة الائتمان الايجاري التي لم تشهر العقد المتعلق بالمنقول على الاحتجاج بحقوقها على الشيء محله في مواجهة ذوي حقوق المكتري المكتسبة بعوض و كذا في مواجهة الدائنين . في حين تتحدث 442 عن عدم قدرة المكري الذي لم يشهر عقد الائتمان الايجاري العقاري على الاحتجاج بالعقد نفسه .
    3- بعض الملاحظات حول نصوص القانون المتعلق مؤسسات الائتمان ذات الصلة بعملية الائتمان الايجاري.
    التضارب في تعريف العملية:
    - ففي المادة 3 يعرفها كالتالي: عملية الائتمان الايجاري و الإيجار التي يكون فيها للمستأجر خيار شراء العين المؤجرة و العمليات المعتبرة في حكمها.
    - و في المادة 4 يعرفها كالتالي:
    + عمليات إيجار المنقولات التي تمكن المستأجر كيفما كان تكييف تلك العمليات ، من أن يتملك في تاريخ يحدده مع المالك كل أو بعض المنقولات المستأجرة مقابل ثمن متفق عليه يراعى في تحديده على الأقل جزء من المبالغ المدفوعة على سبيل الإيجار.
    + العمليات التي تقوم بموجبها منشأة بإيجار عقارات تكون قد اشترتها أو بنتها لحسابها إذا كان من شأن هذه العمليات كيفما كان تكييفها أن تمكن المستأجر من أن يصبح مالكا لكل أو بعض الممتلكات المستأجرة عند انتهاء عقد الإيجار كأقصى اجل.
    + عمليات إيجار الأصول التجارية أو احد عناصرها المعنوية التي تمكن المستأجر ، كيف ما كان تكييف تلك العمليات من أن يتملك في تاريخ يحدده مع مالك الأصل التجاري أو احد عناصره المعنوية مقابل ثمن متفق عليه يراعى في تحديده على الأقل جزء من المبالغ المدفوعة على سبيل الإيجار .
    هذه المواد تستدعي الملاحظات التالية:
    1- ما المقصود ب: لفظة الإيجار المضافة إلى عبارة الائتمان الايجاري في المادتين ، هل هي فقط للتوضيح ؟أم عملية الإيجار المنصوص عليها في القواعد العامة ل ق.ل. ع
    2- اختلاف المصطلحات المستعملة في هذه التعاريف عن تلك المستخدمة في مدونة التجارة ، هذه الأخيرة التي تتحدث عن السلع التجهيزية و المعدات و الآلات في حين يتحدث القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان عن المنقول بصفة عامة. و في ما يتعلق بالائتمان الايجاري العقاري ، مدونة التجارة تتحدث عن العقارات المعدة لغرض مهني في حين يتحدث القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان عن العقار بصفة عامة بصرف النظر عن استعمالها.
    3- مدونة التجارة تتحدث عن مالك أو مشتري العقار بصفة عامة مهما كان ، شخصا طبيعيا أو معنويا ، في حين يتحدث القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان عن منشأة بمفهوم المقاولة ، لكن دون تحديد ما إذا كانت أشخاص طبيعية أو معنوية .
    4- القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان يتحدث عن عملية جديدة لا تعرفها مدونة التجارة و هي المتعلقة بالأصول التجارية أو عناصرها المعنوية ، فإلى ما يخضع تنظيمها ، هل للائتمان الايجاري المنقول باعتبارها منقولات معنوية و ليس مادية رغم أن تعريف مدونة التجارة للائتمان الايجاري المنقول ، لا يمكن أن يفهم منه سوى أن الأمر يتعلق بالمنقول المادي ( السلع التجهيزية و المعدات و الآلات ) و هي كلها عناصر مادية للأصل التجاري.
    5- المادة 3 تشير إلى عمليات الائتمان الايجاري التي يكون فيها للمستأجر خيار شراء العين المؤجرة و العمليات المعتبرة في حكمها. فما المقصود بالعمليات المعتبرة في حكمها :
    - هل هي الإيجار المفضي إلى التفويت أو التملك(م4)؟
    إذا كان الأمر كذلك فهل ستخضع للقواعد المتعلقة بالائتمان الايجاري أم قواعدها الأصلية .
    - عمليات الإيجار البسيط للمنقولات و العقارات بالنسبة للمؤسسات التي تباشر عمليات الائتمان الايجاري بصورة اعتيادية المنصوص عليها في المادة 7
    - أم عمليات أخرى تجري في الممارسة و أخرى ستكشف عنها نفس الممارسة في المستقبل.
    - و في الأخير يبدوا أن تدخلا تشريعيا لمراجعة النصوص المتعلقة بعقد الائتمان الايجاري أصبح يشكل ضرورة ملحة من اجل تدارك أوجه الفقر الذي تعرفه النصوص الحالية خصوصا في ما يتعلق بتنظيم مختلف العلاقات التي تولدها عملية ائتمان الايجاري من جهة ، و من جهة أخرى لتصحيح أوجه التضارب الموجودة بين نصوص مدونة التجارة و نصوص القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان. الأمر الذي من شأنه أن يسهل تعامل القضاء مع هذه المؤسسة حيث يظل مناطا به مراقبة العقود التي تبرم في هذا الإطار منعا للتعسف. في غياب مؤسسة إدارية تشبه تلك المناط بها اعتماد عقود التامين قبل تداولها.

  • قراءة في الأمر الرئاسي للمحكمة ا

    منذ أن كان القانون رقم 05-08 القاضي بنسخ وتعويض الباب الثامن من القسم الخامس من قانون المسطرة المدنية والمتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية مشروعا، انعقدت العديد من حلقات النقاش والأيام الدراسية والموائد المستديرة داخل وخارج المؤسسات التشريعية لتدارسه والتنبيه إلى العديد من الاختلالات التي يتضمنها في مختلف الفصول المكونة له، وقد أتيحت لنا الفرصة للمشاركة في العديد منها إلى جانب عدد مهم من أساتذة القانون والمحاميين والممارسين للتحكيم في المغرب. كانوا قد أجمعوا كلهم على ضرورة عدم إصدار هذا القانون بالحالة التي هو عليها وإلا سوف يؤدي إلى عكس الأهداف المنشودة منه، وقلنا حينها أن التأخر في إصدار هذا التشريع خير من إصداره بالعلل و الأمراض التي يعاني منها ، إلا أن تزامن عرضه على المؤسسة التشريعية وهي على مشارف نهاية ولايتها وعشية إجراء الانتخابات الخاصة بها ،أدى إلى التسريع في إصداره دون تعديلات تذكر لما احتواه من إختلالات أدت إلى ولادته مشوها .
    ولعل الأمر الرئاسي الذي نحن بصدد قراءته والصادر شهريين فقط بعد دخول هذا القانون حيز التنفيذ، لدليل على صحة ما نقول وستليه دلائل أخرى كثيرة مع توالي صدور أحكام التحكيم بناءا عليه.
    فالأمر الذي بين أيدينا يتعلق بطلب معاينة خلو الحكم ألتحكيمي من أي مخالفة لمقتضيات الفصل 306 وما يليه و بطلب وضع الصيغة التنفيذية على هذا الحكم الذي صدر في نزاع شغل ، تم تقديمه إلى رئيس المحكمة التجارية بالدار البيضاء ، فرفض هذا الأخيرة منحه الصيغة مقررا عدم اختصاصه النوعي معللا قراره بما يلي :
    - بأن المحاكم التجارية تبت في منازعات التجار فيما بينهم وفي المنازعات المتعلقة بعلاقات التجار بغير التجار طبقا للمادة 5 من قانون إحداث المحاكم التجارية.
    - وبأن رئيس المحكمة التجارية يمارس الاختصاصات الموكولة له بصفته قاض للأمور المستعجلة أو بصفته تلك في حدود الاختصاص النوعي للمحكمة التجارية التي يرأسها.
    و بما أن القانون 05-08 قد أوكل له بعض الاختصاصات بل ونص في الفصل 312 منه على أنه " يراد في هذا الباب بما يلي..." رئيس المحكمة " رئيس المحكمة التجارية ما لم يرد خلاف ذالك.
    حيث اعتبر الأمر الرئاسي بأن ما ورد في هده المادة غير كاف لتعميم اختصاص رئيس المحكمة التجارية بمنح الصيغة التنفيذية لأحكام التحكيم الصادرة في كل المنازعات، بغض النظر عن نوعها تجارية كانت أو عمالية أو مدنية ، مدام المشرع قد نص على عبارة ما لم يرد خلاف ذلك، والحال أن تطبيق هذا المقتضى الأخير وباستقراء جميع فصول هذا القانون لم يتم إلا مرة واحدة وبشكل غير مباشر ، حين منح القانون الاختصاص الموكول لرئيس المحكمة التجارية بوضع الصيغة التنفيذية على أحكام التحكيم للمحكمة الإدارية وليس لرئيسها حينما يتعلق الأمر بالنزاعات المالية الناتجة عن التصرفات الأحادية للدولة أو الجماعات المحلية أو غيرها من الهيئات المتمتعة باختصاصات السلطة العمومية، وتلك المتعلقة بالعقود التي نبرمها الدولة أو الجماعات المحلية، وذلك في الفقرة الأخيرة من الفصل 310. واستثنى منها أحكام التحكيم الصادرة في المنازعات التي تكون المقاولات العامة الخاضعة لقانون الشركات التجارية وكذا المؤسسات العامة طرفا فيها بمقتضى الفصل 311 ولم يمنح المحاكم الإدارية اختصاص النظر في طلب تذييلها بالصيغة التنفيذية . الأمر الذي سيدفع إلى إرجاع هذا الاختصاص للقاعدة العامة الواردة في المادة 31-327 والتي جاءت عامة في منح رئيس المحكمة الصادر الحكم ألتحكيمي في دائرتها الاختصاص بتخويل الصيغة التنفيذية.
    - ويضيف أمر رئيس المحكمة التجارية بالدار البيضاء بأن المشرع لم يشر صراحة إلى رئيس محكمة أخرى، غير أنه وفي أكثر من فصل أشار إلى رئيس المحكمة المختصة واعتبر أن المقصود بالمحكمة المختصة هو المحكمة المختصة نوعيا ، على انه إذا كان من الممكن تفسير عبارة المحكمة المختصة بأنها المختصة نوعيا ، إلا أن هذه العبارة لم ترد في القانون في أي من الفصول ذات الصلة بمنح الصيغة التنفيذية، ذلك أن هذه العبارة وردت في عدة فصول مقترنة بعبارة رئيس المحكمة مجردة من لفظة المختصة لكن في مواضيع لا علاقة لها بتخويل حكم التحكيم الصيغة التنفيذية كما في معرض الحديث عن تجريح المحكم في الفصل 323 التي أوجبت تقديم طلب التجريح إلى كتابة رئيس المحكمة المختصة ، وبفرض أن المحكمة المختصة هنا ليست هي بالضرورة المحكمة التجارية ، إلا أنه وفي نفس الفصل عاد المشرع ليتحدث عن رئيس المحكمة مجرد من المحكمة المختصة ، الشيء الذي يلزمنا بتفسيره بما ورد في الفصل 312 أي رئيس المحكمة التجارية. و إذا كان الأمر كذلك فإننا سوف سنقع في تناقض حول تفسير و إعمال نص واحد.
    - أما الفصل 5-327 الذي دفع به القرار موضوع القراءة باعتباره من الفصول التي أشار فيها المشرع إلى رئيس المحكمة المختصة معتبرا أن المقصود بالمحكمة المختصة هو المحكمة المختصة نوعيا. فيتعلق بتعيين الهيئة التحكيمية في الحالة التي لا يتم تعيينها مسبقا أو لم يتفق الأطراف على ذلك، حيث يكون رئيس المحكمة المختصة هو من يتولى تعيين المحكم بناء على طلب أحد الطرفيين، فقد عاد فيه المشرع إلى الحديث مرة أخرى عن رئيس المحكمة ولكن بشكل مجرد من لفظة المختصة وذلك في نهاية الفقرة الثانية ، حين أعطاه المشرع حق تعيين رئيس الهيئة التحكيمية إذا لم يعينه المحكمان المعنيان.
    - أما في الفصل 20-327 والذي دفع به أيضا الأمر الرآسي موضوع القراءة حيت يمنح المشرع صلاحية تمديد أجل إصدار الحكم التحكيمي بناء على طلب من أحد الأطراف أو من الهيئة التحكيمية لرئيس المحكمة مجردة من لفضة المختصة الأمر الذي يلزم بتفسيرها بما ورد في الفصل 312 بشكل قطعي رغم أن المشرع يعود في نفس الفصل ليعطي لرئيس المحكمة مضيفا إليها وصف المختصة صلاحية الأمر بإنهاء إجراءات التحكيم في الحالة التي لا يصدر فيها حكم التحكيم خلال الميعاد المحدد بناء على طلب أي من طرفيه ليكون لهذا الأخير أن يرفع دعواه إلى المحكمة المختصة أصلا للنظر في النزاع. الأمر الذي يمكن أن يفهم منه أن المحكمة التي يكون رئيسها مختصا بإصدار الأمر بإنهاء إجراءات التحكيم، يمكن أن لا تكون هي التي ترفع إليها الدعوى باعتبارها المحكمة المختصة أصلا للنظر في النزاع.
    كما وردت عبارة رئيس المحكمة المختصة لوحدها دون العبارة الأخرى المتعلقة برئيس المحكمة مجردة من لفظة المختصة في المادة 325، حيت أعطى المشرع لرئيس المحكمة المختصة الحق بإصدار الأمر بإنهاء مهمة المحكم الذي تعذر عليه أداء مهمته أو لم يباشرها أو انقطع عن أدائها .
    ثم في فصول أخرى من نفس القانون عاد المشرع ليتحدث عن رئيس المحكمة مجرد من لفظة المختصة كما في الفصل 4-327 حيث يتدخل رئيس المحكمة لتعيين المحكم الثالث بأمر غير قابل للطعن في حالة عدم تعيينه من قبل المحكمين أو الأطراف.
    و في الفقرة الأخيرة من الفصل 7-327 ليعطيه الاختصاص بالبت في الصعوبات الناتجة عن تجريح أو عزل المحكمين بأمر غير قابل للطعن. فهل نستطيع في كل هذه الفصول القول بان ما قصده المشرع هو رئيس المحكمة المختصة و ليس رئيس المحكمة التجارية كما نص على ذلك الفصل 312.
    - أما فيما يتعلق بما ذهب إله الأمر الرآسي من إمكانية الطعن في الحكم ألتحكيمي بإعادة النظر أمام المحكمة التي كانت ستنظر في القضية في حالة عدم وجود اتفاق التحكيم وفقا للفقرة الثانية من الفصل 34-327. والطعن بتعرض الغير الخارج عن الخصومة أمام المحكمة التي كانت ستنظر في النزاع لو لم يبرم اتفاق تحكيم. والطعن بالبطلان أمام محكمة الاستئناف التي صدر الحكم ألتحكيمي في دائرتها بمقتضى الفقرة الأولى من الفصل 36-327 وإمكانية البت في جوهر النزاع في المهمة المسندة إلى الهيئة التحكيمية، الممنوحة لمحكمة الاستئناف التي حكمت بإبطال الحكم التحكيمي وفقا للفصل 37-327. باعتباره دليلا على أن رئيس المحكمة المختصة بتخويل الصيغة التنفيذية هو رئيس المحكمة المختصة نوعيا، فانه يدل على خلط كبير بين مسألتين لا علاقة بينهما تتعلق الأولى بتنفيذ الحكم التحكيمي و تتعلق الثانية بطرق الطعن في الحكم التحكيمي والبت في النزاع. فإذا كان المشرع الفرنسي قد منح اختصاص الأمر بالصيغة التنفيذية لقاضي التنفيذ كمؤسسة قائمة بذاتها بمقتضى المادتان 1488 الخاصة بالتحكيم الداخلي والمادة 1498 بالنسبة للتحكيم الدولي في المسطرة المدنية وحسم الأمر. فإن المشرع المصري تعرض و ما زال يتعرض لانتقادات شديدة من قبل الفقه بسبب منحه هذا الاختصاص لرئيس محكمة أول درجة مختصة أصلا بنظر النزاع في التحكيم الداخلي أو الوطني وذلك تطبيقا للمادتين 56 و9 من قانون التحكيم المصري لسنة 27/1994 أما إذا كان التحكيم دوليا، فإن هذا الاختصاص يكون لرئيس محكمة الاستئناف القاهرة أو لرئيس أي محكمة استئناف أخرى قد اتفق الأطراف على اختصاصها بنظر مسائل التحكيم.
    وبالتالي يكون المشرع الفرنسي قد فصل بشكل واضح بين وضع الصيغة التنفيذية وبين الطعن في الحكم التحكيمي بأي طريق من الطرق المتاحة، من خلال منحه الاختصاص الحصري لقاضي التنفيذ بغض النظر عن المحكمة التي قد تكون مختصة لولا وجود اتفاق التحكيم. وما يخفف من حدة الانتقادات الموجهة للمشرع المصري، هو أنه جعل الاختصاص لرئيس محكمة أول درجة المختصة أصلا بنظر النزاع نوعيا ومحليا ولو كان التحكيم يتعلق بقضية أمام محكمة الاستئناف في التحكيم الداخلي وجعل الاختصاص لرئيس محكمة الاستئناف ولو كان التحكيم يتعلق بقضية أمام محكمة أول درجة، الأمر الذي يدل على أنه كذلك فصل بين مسألة الأمر بالصيغة التنفيذية وبين البطلان. وإمعانا في الفصل بين المسألتين اعتبر المشرع المصري في الفصل 58 من قانون التحكيم أن من بين أهم شروط إصدار الأمر بالصيغة التنفيذية أن يكون أجل رفع دعوى بطلان حكم المحكمين قد انقضى(وهو تسعون يوما من إعلان حكم التحكيم للمحكوم عليه. الفصل 54/1 من قانون التحكيم).
    بل ويضيف بأن رفع دعوى البطلان لا يمنع من تقديم طلب الأمر بالصيغة التنفيذية لأنه نص في الفصل 57 من نفس القانون على أنه لا يترتب على رفع دعوى البطلان وقف تنفيذ حكم التحكيم. وهذا ما يعني أن مجرد رفع دعوى البطلان لا يحول دون الأمر بتنفيذه لأن القول بغير ذلك يؤدي إلى قيام كل من صدر ضده حكم تحكيم بالمبادرة برفع دعوى البطلان فورا حتى يحول دون استصدار أمر الصيغة التنفيذية قبل الفصل في هذه الدعوى، وجاء في مذكرة وزير العدل المصري بشأن مشروع قانون التحكيم في البند 14 بأنه "إذا أقيمت هذه الدعوى خلال الميعاد عاد إلى من صدر حكم التحكيم لصالحه حقه الأصلي في طلب تنفيذ الحكم مباشرة لكي لا يظل سلبيا بعد أن هاجمه خصمه بإقامة دعوى البطلان". الأمر الذي يعني بأنه إذا رفعت دعوى البطلان فإنه لا يكون هناك مبرر منطقي أو قانوني لانتظار ميعاد التسعين يوما لاستصدار أمر التنفيذ. الأمر الذي يفيد بشكل قاطع الفصل التام بين مسألتين لا ترتبطان بأية علاقة ويجب التعامل مع كلتاهما بشكل مستقل ومعالجتها بشكل منفصل.
    كما أنه من المعلوم أن رئيس المحكمة وهو ينظر في إمكانية الأمر بالصيغة التنفيذية، إنما يمارس سلطة ولائية يتحقق من خلالها من أن المستند المقدم له هو حكم تحكيمي بالمعنى الصحيح ويفحص اتفاق التحكيم للتأكد من أن أطرافه يمنحون للمحكم السلطة التي بمقتضاها باشر مهمته وفصل في النزاع. وغير ذلك فإنه لا يتولى تحقيق النزاع الذي صدر فيه حكم التحكيم أو يعيد النظر فيه وإنما تقتصر سلطته على التأكد من المشروعية الظاهرة للحكم و من مطابقة مشتملات الحكم لما نص عليه القانون في الفصل 23و24و25 /327.
    ولرئيس المحكمة وهو يراقب العيوب الظاهرة لاتفاق التحكيم أن يرفض إصدار الأمر إذا كان الاتفاق ظاهر البطلان كما لو تعلق بمسألة لا تصلح للتحكيم، أو كان الاتفاق منعدما أو مخالفا بوضوح للنظام العام ولكن كل ذلك في حدود رفض إعطاء الأمر بالصيغة التنفيذية دون البحث في الموضوع أو إحالة النزاع على المحكمة المختصة حيث لا يملك ذلك، لأنه لا يشكل هيئة محكمة موضوع في هذا الصدد.
    ثم أن المادة 36-327، تشترط لقبول الطعن بالبطلان في حكم التحكيم أن يتم هذا الطعن داخل أجل 15 يوما من تبليغ الحكم التحكيمي المذيل بالصيغة التنفيذية، الأمر الذي يفترض أن الحكم التحكيمي يصدر ويقدم من قبل الطرف الأكثر استعجالا لتنفيذه بعبارة الفقرة الثانية من الفصل 31-327، لطلب تذييله بالصيغة التنفيذية ويبلغ للطرف الآخر الذي يستطيع أن يطعن بالبطلان داخل أجل 15 يوما من هذا التبليغ، رغم أن الفقرة الثانية من الفصل 36-327 تنص على أنه يمكن تقديم الطعن بالبطلان بمجرد صدور الحكم التحكيمي، الأمر الذي يفهم منه إمكانية الطعن بالبطلان حتى قبل طلب تذييله بالصيغة التنفيذية. ليكون أجل 15 يوما بعد تبليغ الحكم المذيل بالصيغة التنفيذية هو نهاية أجل البطلان الذي يبدأ من تاريخ صدور الحكم التحكيمي، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى أنه حتى في التشريع المغربي ليس هناك أية علاقة بين طلب الصيغة التنفيذية وبين البطلان، وما يؤكد ذلك ما ورد في الفصل 32-327 من أن الأمر بتخويل الصيغة التنفيذية هو غير قابل للبطلان، غير أن الطعن بالبطلان في حكم التحكيم الذي يتم بناء على الفصل 36-327 يتضمن بقوة القانون، في حدود النزاع المعروض على محكمة الاستئناف طعنا في الأمر بتخويل الصيغة التنفيذية أو رفعا فوريا ليد رئيس المحكمة، فيما إذ لم يكن قد أصدر أمره بعد. رغم أنه كان الأجدر بالمشرع المغربي أن يجعل فوات أجل البطلان شرطا لتقديم طلب بتخويل الصيغة التنفيذية، دون أن يكون الطعن الفعلي بالبطلان مانعا من طلب وضع هذه الصيغة، حتى لا يكون ذلك ذريعة لتعسف الطرف المحكوم عليه في التحكيم تحول دون تنفيذ الحكم أو تأخير هذا التنفيذ بشكل غير مقبول.
    علما أنه في التحكيم الدولي، منح المشرع في الفصل 46-327 اختصاص تخويل الاعتراف ووضع الصيغة التنفيذية لأحكام التحكيم الدولية الصادرة في المملكة لرئيس المحكمة التجارية التي صدرت في دائرتها إذا كان مكان التحكيم بالمغرب أو لرئيس المحكمة التجارية التابع لها مكان التنفيذ إذا كان مقر التحكيم بالخارج.
    إن تحليل النصوص السابقة من القانون رقم 05-08 وما جرى عليه التشريع في مصر وفرنسا، يؤكد بالملموس أن المشرع المغربي بدوره لا يخلط بين الأمر بوضع الصيغة التنفيذية على حكم التحكيم وبين الطعن بمختلف الطرق التي حددها، وإنما يبقى لكل مسألة مجالها، وحتى إن صادف أن رئيس المحكمة التي قدم لها طلب التذييل بالصيغة التنفيذية، هي نفسها المحكمة التي طلب منها إعادة النظر أو طعن أمامها بتعرض الغير الخارج عن الخصومة باعتبارها المحكمة المختصة أصلا لنظر النزاع لولا وجود اتفاق التحكيم، فإن ذلك لا يؤثر في شيء في الاستقلال المعترف به لهاتين المسألتين، وبالتالي ليس بالضرورة المحكمة المختصة بنظر النزاع لولا اتفاق التحكيم باعتبارها هي التي تنظر في الطعون بإعادة النظر أو تعرض الغير الخارج عن الخصومة هي المحكمة المختصة بمنح الصيغة التنفيذية ومع ذلك نحن مقتنعين بأن الصياغة الواردة في المادة 312 هي صياغة معيبة، وقد تنبهنا لعيوبها قبل صدور القانون، بحيث دفعت البعض إلى القول بأن هذا القانون لا يتعلق سوى بالتحكيم التجاري دون غيره من أنواع التحكيم وما يعزز رأينا في الصياغة هو أن هذا القانون كان مقررا له أن يخرج على شكل مدونة خاصة بالتحكيم التجاري الوطني و الدولي مع الإبقاء على النصوص الواردة في قانون المسطرة المدنية فجاء بعيوبه الكثيرة التي لا محالة سوف تؤثر على تطبيقه، ولعل هذا القرار الذي يعد بحسب علمنا أول اجتهاد قضائي يرتبط بهذا القانون يصدر عن محاكم المملكة منذ دخوله حيز التنفيذ هو اسطع دليل على ما أسلفنا.
    لنلخص في النهاية إلى أنه أمام النصوص الحالية كانت محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء مجانبة للصواب بلغة أهل القضاء حين صرحت بعدم اختصاصها، لأنه لو كان المشرع يريد غير ذلك لجاءت صياغة الفصل 312 كالتالي: يراد في هذا الباب بما يلي....."رئيس المحكمة" رئيس المحكمة المختصة لولا وجود اتفاق التحكيم".أما الحل الجذري لمسألة رئيس أي محكمة هو المختص بالأمر بتخويل الصيغة التنفيذية، فكان يجب تحديده في النصوص التي عالجت هذه المسألة من خلال التصريح بأنه هو رئيس المحكمة المختصة أصلا لولا وجود اتفاق التحكيم. وكان المشرع سيعفينا بذلك من كل هذا النقاش الذي من المؤكد انه لن يتوقف هنا.

  • التحكيم و النظام العام

    مقدمــة:
    لاشك أن التحكيم كوسيلة للفصل في المنازعات بين الأفراد يعود في ظهوره إلى قرون بعيدة، ربما يكون حتى قد سبق ظهور المؤسسة القضائية كما هي منظمة بالشكل الحالي أو على الأقل كان معاصرا في ظهوره لهذه المؤسسة التي لم تظهر إلا بعد أن انتظم الأفراد في مجتمعات منظمة بطريقة فسرتها العديد من النظريات لعل أهمها نظرية العقد الاجتماعي لجون جاك روسو، لكن قبل هذا الانتظام كان هناك لا ريب نوع من الحياة وإن كانت أقرب إلى المشاع إلا أنها عرفت شكلا من أشكال التنظيم البدائي الذي وفر طرقا لفظ المنازعات التي كانت تحدث بين أفراده، لعل أقربها إلى التطور هو التحكيم الذي عرفته المجتمعات القبلية بشكل واسع. هذا التضارب والحيرة حول الأسبقية التاريخية للتحكيم على القضاء أو العكس، فرضه نقاش بدأ مع عودة ظهور مؤسسة التحكيم في بداية القرن الماضي بشكل قوي، دفع إلى أن توضع له تشريعات وطنية تنظمه وتبرم من أجله اتفاقيات دولية انضمت إليها كل دول العالم تقريبا. وكان هذا النقاش يتمحور حول إمكانية أن يشكل هذا القضاء الموازي بديلا حقيقيا لقضاء الدولة الرسمي قد يؤدي إلى الاستغناء عنه وفي يوم من الأيام قفل أبواب المحاكم وتسريح القضاة أم أن التحكيم كوسيلة لفظ المنازعات ومهما تطور ونما وتعاطى له الأفراد والشركات ومهما كثرت مزاياه والتي يستمد أغلبها من الانتقادات الموجهة للمؤسسة القضائية حيث يتمحور أغلبها حول سرعة البت وانخفاض التكلفة وسرية الجلسات واختصاص المحكم، لن يعدوا أن يكون وسيلة موازية أو إن شئنا الدقة وسيلة اختيارية مساعدة لمؤسسة القضاء التي تستمد أصالتها وقيمتها من اتفاق أفراد المجتمع على جعله سلطة ثالثة مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، أنيط بها تحقيق العدل وضمان الاستقرار لن يستطيع التحكيم إلغاءها أو جعل المجتمع يستغني عنها.
    ولأن هذه العودة القوية للتحكيم كانت نتيجة لما أسماه البعض( ) "العودة إلى العقد" باعتباره المحور الرئيسي للنظام القانوني للانفتاح الاقتصادي في سعيه لاجتذاب رأس المال الأجنبي، فإن نظام التحكيم الجديد ليس سوى امتداد لمفاهيم سلطان الإرادة والحرية العقدية وسيادة العقد في مجال تسوية المنازعات كما دفعت بها ودعمتها آليات التجارة الدولية الحديثة. وهو الأمر الذي يعني أن التحكيم المقصود بشكل مباشر أحيانا وغير مباشر غالبا في كل مرة يدور هذا النقاش هو التحكيم الدولي أو بدقة أكثر التحكيم التجاري الدولي. وهو ما يفسر ضعف اللجوء إلى التحكيم لتسوية المنازعات الداخلية أو الوطنية وتركها للقضاء كمؤسسة رسمية يفصل فيها كنوع من تحديد الاختصاص غير معلن لكن متوافق عليه بين الجميع. على أساس أن هذا القضاء الوطني غير مؤهل نهائيا للنظر في النزاعات من الطبيعة التي تتجاوز حدود الوطن الواحد. وبالتالي وجب تركها لقضاء التحكيم ليفصل فيها.
    كل هذا يدفع إلى الاعتقاد بأن الهدف الأساسي من تشجيع التحكيم من قبل الأطراف المهيمنة على التجارة الدولية وبالتبعية الاقتصاد الدولي هو استبعاد قضاء الدولة من هذا المجال. إلا أنه وإن كان هذا الهدف موجود وحاضر في أذهان هؤلاء، يبقى الهدف الحقيقي وغير المعلن لنظام التحكيم هو استبعاد قانون الدولة. أما استبعاد قضاء الدولة- وأيا كانت الحجج الظاهرية التي تساق لتبرير ذلك- فليس هدفا في حد ذاته وإنما هو ضرورة يقتضيها الوصول إلى الهدف الحقيقي الذي هو كما قلنا استبعاد قانون الدولة لتطبيق أي قانون آخر يلائم مصالح الأطراف القوية في التجارة الدولية التي عرفت تطورا كبيرا أصبحت فيه عملية الإنتاج الرأسمالي تتم لا على المستوى الوطني كما كان يحدث في الماضي وإنما على المستوى العالمي مستخدما في ذلك الشركات المتعددة الجنسيات الأمر الذي انعكس على المستوى القانوني في ازدياد وتنوع عقود التجارة الدولية التي تبرمها هذه الشركات مع وليداتها المتناثرة على المستوى العالمي أو حتى مع المشروعات المستقلة العاملة في مختلف دول العالم ( عقود إنشاء المجمعات الصناعية، عقود نقل التكنولوجيا، العقود الهندسية، عقود المقاولات الإنتاجية، عقود التوريد…). ولقد كان من الطبيعي في هذا الإطار أن تسعى هذه الشركات إلى توحيد النظام القانوني الذي يحكم نشاطها على المستوى العالمي. إلا أن العقبة الأساسية التي كان من اللازم تخطيها لتحقيق هذا التوحيد كانت هي قانون الدولة le droit étatique والمتمثل عملا في تلك التشريعات الوطنية المتنوعة والتي صدرت في معظم الدول النامية تحمل معها مفاهيم جديدة عن الملكية والعقد والحرية التعاقدية والنظام العام، مفاهيم تختلف بشكل جذري عن تلك التي سادت ومازالت سائدة في الأنظمة القانونية الغربية.
    ولقد كان نظام التحكيم التجاري الدولي هو الأداة الرئيسية التي استخدمت لتخطي هذه العقبة على طريق توحيد النظام القانوني لرأس المال على المستوى العالمي.
    وإذا كان واقع الأمر لم يعد ينفع معه التصدي لهذا النظام الذي وصل إلى نقطة اللاعودة بعد توقيع اتفاقية الكات لتحرير التجارة الدولية من قبل أغلب دول المعمور وبعد شيوع مفهوم العولمة وكل المفاهيم المرتبطة به سياسيا واقتصاديا وثقافيا وقانونيا. فإن أي محاولة لوضع تشريع ينظم التحكيم كوسيلة لفظ المنازعات- وهو ما يفعله المغرب الآن- يجب أن تكون واعية بجميع معطيات هذا النظام مستفيدة من تجارب الدول التي سبقت في هذا المجال خصوصا الدول التي تتماثل مستوياتها الاقتصادية وتتقارب أنماطها الحياتية الثقافية مستغلين في ذلك التأخر الزمني الغير مقصود طبعا، في وضع تشريع ينظم مؤسسة التحكيم، كما يجب أن تكون المحاولة مصاحبة بوضع التشريعات الأخرى المتعلقة بكل أفرع التجارة الدولية بما في ذلك تشريعات الاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا والعقود الهندسية إلخ. في محاولة لقطع الطريق أمام أنانية الأطراف المهنية على التجارة الدولية من خلال ما ستحمله هذه التشريعات من قواعد قانونية تحمي النظام العام الوطني وتسمح للقضاء الوطني الرسمي برقابة ما على أحكام المحكمين المطلوب تنفيذها( ).
    من ثم سنحاول في هذه الدراسة التطرق لموضوعين نرى جدارتهما بالاهتمام ونحن بصدد إعداد تشريع لنظام التحكيم كوسيلة لتسوية المنازعات. أولهما يتعلق بمفهوم النظام العام وتطبيقاته في التحكيم أما الثاني فيتعلق برقابة القضاء على أحكام المحكمين عند التنفيذ.

    نصت أغلب التشريعات الوطنية التي نظمت التحكيم كوسيلة لتسوية المنازعات على أنه لا يمكن الاتفاق على التحكيم في المسائل التي تمس النظام العام ( ). بمعنى أنه لا يكفي وجود نزاع في علاقة قانونية محددة للقول بتوافر ركن المحل في اتفاق التحكيم، بل لا بد أن يكون النزاع قابلا للتسوية عن طريق التحكيم , أي أن يكون متعلقا بالحقوق التي يملك الأشخاص التصرف فيها والتي لا ترتبط بأي صلة بالنظام العام. وهو نفس الأمر الذي اهتمت به الاتفاقيات الدولية ونصت على ضرورة التأكد من توافره( ).
    ولكن إذا كان حظر التحكيم في بعض الأمور، لا يثير مشاكل كبيرة لصلتها بالمصلحة العامة، وارتباطها المتين بالحالة الاجتماعية للفرد والأسرة ولتعلقها بحق الله تعالى، كما تلك التي يلتقي حولها الدين بالقانون، كصحة الزواج أو بطلانه، البنوة، حضانة الأطفال إلى غير ذلك. فإن الأمر يختلف تماما بالنسبة لمنع التحكيم في كل ما يمس بالنظام العام. وأمام صعوبة وضع تصور محدد لتعريف هذا الآخير، يثور التساؤل عن الحدود التي يكون فيها التحكيم ماسا بالنظام العام( ). خصوصا وأن مفهوم هذا الأخير يظل حاضرا باستمرار في مختلف العلاقات القانونية عن طريق القواعد الآمرة المنظمة لهذه العلاقات، لتكون النتيجة المنطقية لهذا المعطى هي إيجاد صلة بين القدرة على اللجوء للتحكيم وبين عدم وجود الصفة الآمرة في القواعد التي تنظم العلاقة القانونية موضوع النزاع محل التحكيم. على أن كل تفسير من هذا النوع قد يؤدي لا محالة إلى تضييق مجال التحكيم إلى أبعد الحدود، باعتبار أن كل العلاقات التي ينظمها القانون لا محالة تتضمن مقتضيات تتعلق بالنظام العام.
    وأمام هذه الصعوبة، أعمل الفقه والقضاء اجتهاده ليصل إلى ضرورة التعامل بمرونة مع النصوص وتفسيرها بشكل يتجاوز ظاهرها ليخلص إلى وجوب الامتناع عن أعمال فكرة النظام العام إلا في حدودها الضيقة أي فقط في المسائل التي تتعلق بكيان الدولة ذاتها ووظائفها السياسية كالمسائل المتعلقة بالتجريم والعقاب وأهلية الأشخاص وحالتهم وأعمال الدولة الخارجة عن إطار المعاملات الاقتصادية( ).
    إذا كان هذا هو ما عليه الحال على المستوى الوطني أو الداخلي من علاقة التحكيم بمفهوم النظام العام. فإنه على المستوى الدولي أي التحكيم الدولي تلعب فكرة النظام العام نفس الدور الذي يلعبه ضرورة ضمان حقوق الدفاع والمساواة بين الخصوم وما يترتب على إهدارها من بطلان قرار التحكيم. ذلك ان هذا القرار قد يواجه نفس المصير إذا لم يحترم المحكمون أثناء سير المنازعة تلك القواعد التي تتعلق بالنظام العام، سواء في الدولة التي يجري على إقليمها التحكيم أو تلك التي تتعلق بالنظام العام في الدولة التي يجري تنفيذ القرار على إقليمها. ومرد ذلك إلى أن الأنظمة القانونية للدول، على اختلاف نظمها الاجتماعية والسياسية تحتوي كما رأينا على قواعد أو ما يمكن أن يسمى بشروط المحافظة على نظامها الاجتماعي يستبعد بمقتضاها أي قانون أجنبي أو أي أثر لقرار قضائي أجنبي يتمثل فيه تجاوز لهذه القواعد أو الشروط أو يتعارض مع مصالح تلك الدولة أو أساسها الاجتماعي.
    وإذا كانت مشكلة احترام النظام العام في المعاملات الداخلية تثير بعض المشاكل كما رأينا، فإنه رغم صعوبتها ودقتها إلا انه يبدو من الممكن التعامل معها وتجاوزها. والأمر ليس كذلك بالنسبة لاستخدام هذه الفكرة على الصعيد الدولي، لا سيما في معاملات التجارة الدولية . ذلك لأنه من ناحية ليس كل حكم يتعلق بالنظام العام في التطبيق الداخلي للنصوص هو بالضرورة كذلك على الصعيد أو التطبيق الدولي. وذلك بالنظر إلى طبيعة الاختلافات بين النظم القانونية والاجتماعية بين الدول ( ) وهو ما يؤدي حسب هذا التحليل إلى القول بعدم تطابق فكرة النظام العام الداخلي مع فكرة النظام العام على المستوى الدولي ولا سيما في مجال التحكيم التجاري باعتباره قضاء للتجارة الدولية، يعتقها- كما سبق القول – من الخضوع للقواعد الصماء في القوانين الداخلية. كذلك فإنه من ناحية أخرى يبدو من الصعب القول بتحديد جوهر ملموس لفكرة النظام العام "الدولي" أو بمفهومه الدولي رغم أن هذه الفكرة بدأت تأخذ معنى ما على الصعيد الدولي، بعيدا إلى حد ما عن المعنى الحرفي لفكرة النظام العام في القوانين الداخلية إذ يمكن التساؤل مع البعض ( )، هل تعني فكرة النظام العام بمفهومه الدولي، القانون الطبيعي على المستوى العالمي، أم مبادئ العدالة العالمية أو الأخلاق أم مبادئ ما يسمى بالدول المتحضرة كما يزعم البعض أم مبادئ العدالة المطلقة. ومع ذلك يذهب أغلب الفقه إلى أن فكرة النظام العام الدولي، تعني القواعد المعيارية والتي تعتبر بمثابة الحد الأدنى أو القياسي التي يفرضها واقع المجتمع الدولي لحماية حقوق الإنسان( ). مع ضرورة التفرقة بين مبادئ النظام العام Les principes d’ordre public وبين قواعد النظام العام. Les règles d’ordre public. .
    الأولى كما هو الحال بالنسبة لمبدأ حسن النية تنتمي إلى نظام عام دولي حقيقي أو عبر دولي. وللمحكم سلطة إهدار السلوك المخالف لحسن النية الذي يجب ان يتبوأ الصدارة في علاقات التجارة الدولية. أما قواعد النظام العام، مثل قواعد قانون المنافسة، فهي لا تعبر في الغالب إلا عن نظام عام خاص بدولة معينة، وكذلك مجموعة الدول بالنسبة لقانونها المشترك. وبالتالي لم تعد تثير مشكلة بالنسبة لقابليتها للتحكيم.
    وعلى أي حال فإنه إذا ما تعلق الأمر بالتحكيم التجاري الدولي، فإن تطبيق فكرة النظام العام بمعناها الدولي تصبح مرتعا هاما للتطبيق والخلاف. وتصبح هذه الفكرة بمثابة " سلاح الظل" Arme discret ذو النصلين الذي يمكن إشهاره دائما في وجه تنفيذ القرار الصادر في المنازعة ( )، ولا سيما فيما يتعلق بسلامة إجراءات سير المنازعة أو احترام حقوق وضمانات الدفاع. وبهذا الصدد يقع على كاهل المحكم، في واقع الأمر مراعاة احترام القواعد المتعلقة بالنظام العام للدولة التي ينفذ قرار التحكيم على إقليمها. ويلاحظ أنه حتى في الحالات التي ينعقد فيها الاختصاص التشريعي لقانون الدولة، أما بناء على نص في العقد الدولي، أو تطبيقا لقواعد تنازع القوانين التي لجأ إليها المحكمون، فإن قضاء التحكيم يصل في الكثير من الأحيان إلى استبعاد هذا القانون وتطبيق "قانون التجارة الدولية" وذلك باستخدام أدوات وأساليب قانونية عديدة ومتنوعة، لعل أهمها ذلك المفهوم البالغ الغرابة الذي ابتدعه فقه القانون التجاري الدولي والذي تحدثنا عنه تحت مسمى النظام العام الدولي. ووفقا لهذا المفهوم، فإن قانون التجارة الدولية باعتباره نسقا قانونيا مستقلا ومتكاملا لا يملك فقط قواعده الموضوعية التي تحكم علاقات التجارة الدولية، وقضاءه المستقل المتمثل في نظام التحكيم الدولي، وجزاءاته المتميزة، ولكنه يملك أيضا نظامه العام الخاص به: النظام العام الدولي، والذي يؤدي نفس الوظيفة القانونية التي يؤديها النظام العام الداخلي في ميدان تنازع القوانين، وهي استبعاد قانون العقد في كل مرة تتعارض فيها أحكام هذا القانون مع مبادئ النظام العام الدولي.
    وهنا يثور السؤال : من الذي يحدد لنا تلك المبادئ العامة التي تشكل في مجموعها النظام العام الدولي؟ وعلى هذا يجيب فقه قانون التجارة الدولية بأن "قضاء التحكيم" هو الذي يتولى في نهاية الأمر و ضع معالم وحدود النظام العام الدولي.
    "ولقضاء التحكيم" تطبيقات متعددة لمفهوم النظام العام الدولي كأداة لاستبعاد قانون الدولة. ولعل أهم هذه التطبيقات وأشهرها هو ذلك المتعلق بصحة شرط التحكيم في عقود الدولة على الرغم من وجود نص آمر في قانون الدولة يحرم لجوء الدولة إلى التحكيم.
    من ذلك الحكم الصادر من إحدى هيئات التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية في القضية رقم 1939 لسنة 1971 والمتعلق بنزاع بين شركة إيطالية وإحدى الهيئات العامة الأثيوبية حول مدى صحة شرط التحكيم الوارد في العقود المبرمة بينهما، حيث استبعد المحكم السويسري أحكام قانون المسطرة المدنية الأثيوبي التي تحرم إدراج شرط التحكيم في العقود الإدارية مستندا في ذلك إلى " مبادئ النظام العام الدولي وفي هذا يقول المحكم في قراره" إن النظام العام الدولي يتعارض بشدة مع قيام إحدى هيئات الدولة في تعاملها مع أشخاص أجانب عن هذه الدولة بإبرام اتفاق تحكيم صريح بفرض اكتساب ثقة الطرف المتعاقد معه، ثم محاولتها فيما بعد أثناء إجراءات التحكيم أو أثناء إجراءات التنفيذ التحلل من اتفاقها بإدعاء بطلانه( ).
    لذلك فإن عددا من أحكام التحكيم التي صدرت في إطار نظام التحكيم التابع لغرفة التجارة الدولية قد قضى بصحة شروط الضمان ضد تقلبات سعر الصرف، وإن كان ذلك قد جاء بطريقة ضمنية( )، الأمر الذي يكشف كما يقول الأستاذ جولدمان عن اتجاه قضاء التحكيم إلى اعتبار قاعدة " العقد شريعة المتعاقدين" من النظام العام الدولي، بما يعنيه ذلك من ضرورة إعمال الشروط العقدية وتغليبها على الأحكام الآمرة المخالفة في قانون الدولة الواجب التطبيق على العقد( ).
    وأيا كانت تطبيقات قضاء التحكيم" لمفهوم النظام العام الدولي، فإن الذي يعنينا هنا التأكيد عليه هو أولا أن مفهوم النظام العام الدولي لا يستقيم إلا إذا اعترفنا مقدما بوجود قانون التجارة الدولية كنسق قانوني مستقل وبوجود قضاء التحكيم بالمعنى الفني الدقيق لمفهوم القضاء، وهما الأمران اللذان يمكن أن يوفرهما مجرد وجود تشريع وطني خاص بالتحكيم يعترف بشرعيته ويكرسه أكثر منه منظما لهذه الآلية كوسيلة لفظ المنازعات، لأن هذه المسألة تتجاوز بكثير قدرات المشرع الوطني أمام سطوة الأطراف القوية في التجارة الدولية. ومع ذلك فحتى لو قبلنا كل مسلمات نظرية قانون التجارة الدولية فمن الصعب القبول بمفهوم النظام العام الدولي، إذ أن هذا المفهوم على حد تعبير الأستاذ أنطوان كاسيس هو مفهوم مستحيل CONCEPT IMPOSSIBLE ( )، إذ أنه يقوم ابتداء وانتهاء على تناقض منطقي يستحيل تجاوزه. ويقول إن أي قراءة متأنية لكتابات فقهاء القانون التجاري الدولي من أنصار هذه النظرية Lex. mercataria تبين لنا أن هؤلاء الفقهاء يعترفون بأنه أيا كانت درجة اكتمال هذا التنسيق القانوني الدولي فإن هناك من القضايا المرتبطة بعقود التجارة الدولية التي مازال تنظيمها يخضع لقانون الدولة، مثل مسائل الأهلية وعيوب الرضا. وبعبارة أخرى فإن تدويل النظام القانوني لعقود التجارة الدولية ليس كاملا، إذ أن قانون التجارة الدولية لا يحكم في نهاية الأمر إلا المسائل المتعلقة بتفسير وتنفيذ عقود التجارة الدولية , ونحن نعرف جيدا أن أحكام قانون التجارة الدولية كلها ذات أصل تعاقدي، فهي نتاج ممارسات أطراف عقود التجارة الدولية كما تجسدت في العقود النموذجية، والشروط العقدية الدارجة، والأشكال العقدية الجديدة، خاصة منها تلك المركبة أو التوليفات العقدية.(انتهى كلام كاسيس).
    وبناء عليه لم يكن غريبا أن يكون المبدأ الأساسي الذي يشكل المحور الذي ترتكز عليه كل أحكام هذا النسق القانوني هو مبدأ العقد شريعة المتعاقدين. ولذلك لم يكن غريبا أيضا أن تكون كل قواعد هذا القانون من قبيل القواعد المكملة لإرادة أطراف العقد، فلا يمكن لهذه القواعد أن تستبعد نصا في العقد الدولي، فالعبرة أولا بأحكام العقد ولو خالفت قواعد قانون التجارة الدولية.
    وهنا يثور السؤال : كيف يمكن لمجموعة من القواعد غير الآمرة أي المكلمة لإرادة الأفراد أن تشكل نظاما عاما بأي معنى من المعاني؟ خصوصا وأننا كنا قد انتهينا إلى أن أهم مظاهر النظام العام ومصادره هي مجموعة القواعد الآمرة التي لا يصح الاتفاق على ما يخالفها، أي لا يجوز للأشخاص القانونية الخروج عليها باتفاق خاص. فالنظام العام يستبعد بالضرورة أي إرادة فردية مخالفة لأحكامه.
    إذا كان هذا هو مفهوم النظام العام فكيف يمكن لقانون التجارة الدولية الذي يتكون من مجموعة من القواعد المفسرة لإرادة الأفراد أن يكون له نظامه العام الذي يستبعد قانون الدولة، وأي نظام عام هذا الذي لا يقوى على استبعاد إرادة الأفراد ولكنه يستطيع أن يستبعد القواعد الآمرة في قانون الدولة؟.
    واضح إذن أن الأمر يتعلق بمبرر إيديولوجي مباشر لممارسات التحكيم الدولي التي تهدف أولا وأخيرا إلى استبعاد قانون الدولة كخطوة ضرورية على طريق تدويل النظام القانوني للعقد الدولي، وهو التدويل الذي يكفل فعالية شروط هذا العقد كما تحددها وتفرضها الأطراف المهيمنة على التجارة الدولية، أكثر من ما يتعلق بنظرية حقيقية للنظام العام الدولي.
    ويكفي هنا أن نلقي نظرة سريعة على تلك المبادئ العامة التي يدخلها فقهاء قانون التجارة الدولي في عداد النظام العام الدولي لكي نتأكد من صحة هذا الاستنتاج.
    فأول هذه المبادئ هو مبدأ العقد شريعة المتعاقدين Pacta Sunt Servanta
    وهو المبدأ الذي يقر القوة الإلزامية للعقد ليجسد في النهاية مبدأ الحرية التعاقدية. وإذا كان أصلا النظام العام هو بطبيعته قيد على مبدأ الحرية التعاقدية، فإن النظام العام بهذا المعنى هو نقيض مبدأ الحرية التعاقدية. إذ أن وظيفته الأساسية هي استبعاد أحكام العقد المخالفة لمبادئه. فكيف يمكن والحال كذلك اعتبار مبدأ الحرية التعاقدية من النظام العام ( ).
    وتتأكد صحة هذا الاستنتاج أكثر عندما نجد فقهاء قانون التجارة الدولية يقررون بأن نظرية الظروف الطارئة كما يطبقها المحكمون الدوليون تعتبر من النظام العام( ). ذلك أن نظرية الظروف الطارئة بما تخوله للمحكم من سلطة تعديل العقد في كل مرة يؤدي فيها تغير الظروف الاقتصادية إلى الإخلال بالتوازن بين الاداءات المختلفة التي يرتبها العقد الدولي، بالشكل الذي يكفل إعادة هذا التوازن، تنفي تماما مبدأ العقد شريعة المتعاقدين الذي يعتبر كما رأينا من النظام العام الدولي، بحيث يستحيل تماما اعتبار هاتين القاعدتين معا من النظام العام.
    وبعد، يبدوا أن الأمر لا يعدوا ان يكون محاولات متتالية لإظفاء الشرعية على مفهوم يصعب الاعتراف حتى بوجوده بالنظر للكم الهائل من التناقضات التي يحملها بداخله، مهمى تعددت تطبيقاته. لنفهم في الأخير أن الهدف الأساسي والنهائي هو تأكيد وجود قانون التجارة الدولية مستقلا بذاته يحمل في حد ذاته أدوات كفايته واستغناءه عن قواعد القوانين الداخلية للدول لضمان تلافي أي رقابة من أي نوع وفي أي مرحلة للقضاء الوطني على الأحكام التي تصدرها هيئات التحكيم الدولية مطبقة أحكام " قانون التجارة الدولية" التي تعوض في هذه الحالة القوانين الداخلية الوطنية التي يسهر القضاء الوطني على تطبيقها. لتبقى مهمة هذا الأخير حيال أحكام التحكيم هي وضع التأشيرة التنفيذية عليها وبالتالي تيسير هذا التنفيذ ورفع كل العراقيل التي قد تعترضه دون الخوض في أي محاولة للرقابة على هذه الأحكام من الناحية الموضوعية.

    كل الملاحظات التي وردت في النقطة السابقة والمتعلقة بمدى سلطة المحكم في اختيار القانون المسطري أو الموضوعي الذي سوف يخضع له النزاع موضوع التحكيم وحتى في ابتداع قواعد قانونية جديدة، وإن كانت في نهاية المطاف ليست سوى تطويع لقواعد قانونية موجودة أصلا، لتخدم الطبيعة الخاصة والمختلفة لمواضيع علاقات التجارة الدولية، محاولا بذلك خلق قانون خاص بهذه العلاقات ينفرد بمبادئه وبقواعده سمي قانون التجارة الدولية. كل هذه الملاحظات جاء بعض الفقهاء في محاولة منهم لتخفيف حدة الانتقادات الموجهة لمنطقيتها باعتراض يتمحور حول رقابة القضاء الوطني على قرارات التحكيم عند طلب وضع الصيغة التنفيذية عليها، متسائلين: ألا تشمل هذه الرقابة أول ما تشمل مدى مراعاة هذه القرارات للقوانين المتعلقة بالنظام العام في دولة القاضي؟.
    فإذا كانت خصوصية قضاء التحكيم تكمن في أصله الإتفاقي، فإن ذلك يستلزم مرونة كبيرة في التعامل مع الأحكام الصادرة عنه بسبب نطاق الحرية الواسع المتروك للمتعاقدين، ولما كانت فعالية هذا القضاء التحكيمي هي محدودة وناقصة بسبب افتقار المحكم لسلطة الأمر، فإن الأمر إستلزم تدخل قضاء الدولة لتكملة عمل المحكمين، حتى يمكن للحكم الصادر عنهم أن ينتج أثاره كما لو كان صادرا من قضاء الدولة، وهذا لا يتم إلا من خلال رقابته للتأكد من صحته ومشروعيته لإمكانية الأمر بتنفيذه.
    على أن التزام المحكوم عليه بتنفيذ الحكم الصادر في التحكيم يولد منذ اتفاق الأطراف على إبرام مشارطة التحكيم وأن الحكم الصادر بناء على هذا الاتفاق من قبل المحكمين ملزم لهم، ومن ثمة وجب تنفيذ حكم المحكمين حتى يحصل الطرف المحكوم له بطريقة ملموسة على ما كان يرمي إلى تحقيقه قانونا، وهذه المرحلة النهائية من الإجراءات تلقي الضوء مرة أخرى على الطابع التعاقدي لهذه العدالة الخاصة. فبمجرد صدور حكم المحكمين، يكمل المحكم مهمته التي سمي من أجلها، وما يعقب ذلك هو مهمة المتعاقدين الآخرين، وهذا ما تذكر به دائما وبصفة عامة لوائح هيئات التحكيم الدائمة، وإذا كان التحكيم هو عدالة اختيارية، فإن هذه الخصوصية يجب أن تظهر بوضوح في مرحلة تنفيذ الحكم.
    فالتنفيذ الاختياري لحكم المحكمين بواسطة الطرف المحكوم عليه يبدو أكثر انسجاما وهو ما يتفق مع طبيعة التحكيم، وهوما دفع بعض الفقه إلى حد القول بأنه إذا أعقبت إجراءات التحكيم إجراءات لاحقة أمام قضاء الدولة، فإن التحكيم يفقد سبب وجوده وقيمته، بل ويكون نظامه قد حرف( ).
    لكن بالمقابل تشكل رقابة القضاء الوطني لأحكام المحكمين حين يراد تنفيذها ضمانة هامة للتأكد من نظامية هذه الأحكام إن على المستوى الشكلي أو على المستوى الموضوعي تفاديا لأن تصبح أحكام المحكمين أحكاما تحكمية يفرض فيها القوى سلطته على الضعيف.
    فعلى هذا المستوى لا تتضمن أغلب القوانين المقارنة نصوص تحدد مدى وطبيعة الرقابة التي يجب أن يقوم بها القاضي قبل منح الأمر بالتنفيذ. لذلك احتدم الخلاف في الفقه والقضاء حول نطاق ومدى هذه الرقابة، فالبعض ذهب إلى أنها رقابة ذات طابع شكلي صرف من النمط الإداري، ويكون ذلك بالقدر وفي الحدود التي يتم فيها وضع حكم المحكمين تحت رقابة قاض من النظام القضائي الرسمي( ). وعلى العكس ذهب البعض الآخر إلى منح قاضي الأمر بالتنفيذ سلطة أوسع. وعليه يجب على القاضي أن يرفض منح الأمر بالتنفيذ إذا كان الحكم المطلوب تنفيذه لا يعد حكم محكمين كأن يكون مجرد تقرير الخبير أو مجرد إبداء رأي، فالعمل يجب أن يكون له مظهر حكم المحكمين. وللقاضي أن يفحص الشرعية الشكلية لحكم المحكمين من حيث العيوب التي قد تشوبه مثل تخلف توقيع المحكمين أو أسماءهم، وكذلك من حيث وجود أو غياب الأسباب وليس عدم كفاية الأسباب أو عدم صحتها أو تعلقها بالموضوع لأن تقدير ذلك لا يعود لقاضي التنفيذ لأن ذلك يقتضي منه فحص الموضوع ويفترض فحص القانون الواجب التطبيق. ففي كل الفروض السابقة، يمكن القول بان الطابع الولائي لعمل قاضي الأمر بالتنفيذ يقتضي قصر سلطة هذا الأخير على فحص الصحة أو المشروعية الظاهرة لحكم المحكمين المطلوب الأمر بتنفيذه وذلك من الناحية الشكلية.
    ومع ذلك هناك ضوابط وشروط يجب توفرها في حكم التحكيم للاعتراف به والأمر بتنفيذه.
    وعليه يستطيع القاضي رفض الاعتراف بحكم التحكيم ورفض وضع الأمر بتنفيذه، إذا قدم الخصم الذي يحتج عليه بالحكم، ما يثبت أن أطراف التحكيم كانوا طبقا للقانون الذي ينطبق عليهم عديمي الأهلية.( ) ويرجع في شأن أهلية أطراف النزاع إلى قواعد تنازع القوانين التي تحدد القانون الذي يحكم الأهلية.
    كما يجب رفض الاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه إذا قدم ما يثبت أن اتفاق التحكيم قد شابه عيب يمس صحته وفقا لقانون الإرادة أو قانون البلد الذي صدر فيه حكم التحكيم عند تخلف قانون الإرادة.
    ونفس المصير يجب أن يلقاه حكم التحكيم الذي لم تحترم فيه حقوق الدفاع، كما إذا دلل الخصم المطلوب التمسك ضده بالحكم على أنه لم يعلن إعلانا صحيحا بالحضور وبالجلسة المحددة للتحكيم أو بتعيين المحكم أو بإجراءات التحكيم أو استحال عليه لسبب أو لأخر أن يقدم دفاعه.
    ويطبق نفس الحكم إذا ثبت أن تشكيل هيئة التحكيم أو أن إجراءاته مخالفة لقانون الإرادة أو مقر التحكيم عند تخلف قانون الإرادة.
    كما نصت المادة 5 بند ج من اتفاقية نيويورك على أنه يجوز رفض الاعتراف وتنفيذ حكم المحكم إذا أثبت المحكوم عليه أن قرار التحكيم قد عالج نزاعا غير وارد في مشارطة التحكيم أو اتفاق التحكيم أو تجاوز حدودها فيما تم القضاء فيه.
    ويجب رفض الاعتراف وتنفيذ حكم التحكيم إذا كان قانون مكان التنفيذ لا يجيز تسوية النزاع عن طريق التحكيم، بمعنى أن يكون الحكم قد صدر في مسألة مما لا يجوز التحكيم فيها موضوعيا طبقا لقانون الدولة التي يراد الاحتجاج بالحكم على إقليمها.
    وعموما لا يجوز الاعتراف أو تنفيذ حكم التحكيم إذا تعارض مع مقتضى من مقتضيات النظام العام في بلد التنفيذ بالمعنى الذي رأيناه سابقا. وهو ما أكده الحكم الصادر من محكمة التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية في باريس في الدعوى رقم 1397 لسنة 1969( ). مشيرا إلى أن النظام العام في الإطار الضيق بالنسبة للعقد المبرم من الدولة لا يعني إلا المسائل التي تخص السلطة العامة، أي عندما يمس حكم التحكيم المصلحة الوطنية العامة في الدولة التي يراد التنفيذ فيها بأضرار جسيمة.
    وتتطلب اتفاقيات التحكيم بوجه عام وجوب مراعاة هذا الشرط في بلد التنفيذ، ومنها، الأحكام التي تصدر عن المركز العربي للتحكيم الدولي في الرباط الذي تم إنشاءه بمقتضى اتفاقية عمان في 14 أبريل سنة 1987، حيث يكون تنفيذها في إحدى الدول الأعضاء بمعرفة المحكمة العليا لكل دولة متعاقدة وهي لا تستطيع أن ترفض التنفيذ إلا بسبب مخالفته للنظام العام.
    وإذا كان الأصل أن مسألة القوة التنفيذية لحكم التحكيم لا تخضع لاختصاص المحكم، وأنه لهذا السبب لا يمكن أن يفصل فيها. إلا أن هذا الموقف لا يمكن التسليم به على إطلاقه، مادام المحكم لا بد أن يكون لديه قدرا من العلم بمكان التنفيذ المحتمل وأن يأخذ هذا المكان بعين الاعتبار كما يأخذ بعين الاعتبار قانونه قبل تحرير حكمه.
    وهذا هو ما اعتدت به محكمة التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية التي أثارت في حكمها فكرة النظام العام لكل الدول التي يهمها النزاع أو يعنيها( ). ولهذا يرى بعض الفقه ضرورة أن تكون هيئة التحكيم قد راعت في حكمها القانون الواجب التطبيق بموجب قواعد تنازع القوانين في دولة التنفيذ، إذا كانت المنازعة مما يدخل في الاختصاص التشريعي لدولة التنفيذ طبقا لقواعد القانون الخاص فيها، أو تكون هيئة التحكيم قد توصلت إلى النتيجة ذاتها التي يؤدي إليها تطبيقها.
    وبالتالي يجب على سلطة التنفيذ أن تأمر من تلقاء نفسها برفض التنفيذ متى كان حكم التحكيم مخالفا للنظام العام بالمفهوم السابق.
    على أنه مهما يكون من أمر رقابة القضاء النظامي على أحكام التحكيم حين يراد وضع الصيغة التنفيذية عليها ومهما كانت سلطات هذا القضاء أو مداها في هذا المجال، فإنه من الصعب جدا من الناحية الواقعية الامتناع عن تنفيذ قرارات التحكم نظرا للضغوط الهائلة التي يمكن أن تمارسها الأطراف المهيمنة على التجارة الدولية وهي تلك التي يشار إليها بتعبير La Communauté des affaires، أي في نهاية الأمر الشركات المتعددة الجنسيات، ضد الطرف الذي رفض تنفيذ هذه القرارات، بل وللعقوبات التي يمكن أن توقعها عليه والتي قد تصل إلى حد المقاطعة الكاملة له، الأمر الذي حدا بأحد الفقهاء( ) إلى أن يرى في هذا الوضع إيذانا بميلاد " قانون جديد غير مكتوب للثائر" وهو إن كان غير محدد المعالم بشكل واضح، إلا أنه فعال في حالة عدم احترام التعهدات الدولية.
    ولعل هذا هو الذي يفسر ما تكشف عنه الدراسات الإحصائية من أن معظم قرارات التحكيم تنفذ بشكل تلقائي ودون انتظار مرور الحكم على هيئة قضائية تمنحه الصيغة التنفيذية , وذلك تلافيا للعواقب الوخيمة التي قد تنجم عن الامتناع عن هذا التنفيذ والتي سرعان ما يتردد صداها داخل مجتمعات التجارة والاعمال لتصبح الخسارة مضاعفة و فاضحة , بحيث لا يمكن ان يحد من وطأتها اعمال فكرة النظام العام الوطني أو الدولي و لارقابة قضائية أريد لها ان تكون سطحية وهشة يتحول معها جهاز القضاء من أداة للحكم ولضمان المشروعية إلى مؤسسة إدارية تسهر على تنفيذ أحكام التحكيم التي يصدرها المحكمون .
    امام هذا الوضع , تصبح محاولة سن تشريع خاص بالتحكيم عملية جد شاقة ومسؤولية كبيرة لا يلطف من حدتها سوىتوخي الحذر الشديد حين وضع النصوص وحين الاستعانة بالقانون المقارن ولكن بالخصوص ضرورة سد ما امكن من الثغرات التشريعية التي تعرفها مواضيع التجارة الدولية بشتى افرعها حتى لا تظل مرتعا لاجتهاد ليس أهل القانون المختصين وإنما اصحاب المصالح الكبرى فيها
    الدكتور : رياض فخري
    استاذ القانون التجاري
    كلية الحقوق جامعة الحسن الاول سطات

    - دراسات في الآليات القانونية للتبعية الدولية.
    د/حسام محمد عيسى 1988ج.م.ع.
    - 2- الأسس العامة في التحكيم التجاري الدولي.
    د/ أبو زيد رضوان /دار الفكر العربي 1981 ج.م.ع.
    - 3- التحكيم كوسيلة لفض المنازعات في مجال الاستثمار.
    د/أحمد عبد الحميد عشوش/ مؤسسة شباب الجامعة ج.م.ع1990.
    - 4- قضاء التحكيم في منازعات التجارة الدولية.
    د/منير عبد المجيد/ دار المطبوعات الجامعية 1995ج.م.ع.
    - 5- النظام القانوني للتحكيم التجاري الدولي.
    د/أحمد أنعم بن ناجي الصلاحي/ مركز الدراسات والبحوث اليمني 1994.
    - 6- الرقابة على أعمال المحكمين.
    د/محمد نور عبد الهادي شحاتة / دار النهضة العربية 1993.
    - 7- الإطار القانوني للتحكيم التجاري بالمغرب الواقع وسبل والإصلاح .
    فضلي إكدر/ رسالة دبلوم دراسات عليا المعمقة كلية الحقوق جامعة محمد الخاس أكدال الرباط 2002.
    - 8- اهتمام المغرب بالتحكيم إلى أي حد.
    النقيب عبد الله درميش/مجلة المحاكم المغربية عدد 73/يناير فبراير 1995.
    - 9- التحكيم في عقود الدولة ذات العنصر الأجنبي أحمد صادق القشيري.
    مجموعة محاضرات نادي مجلس الدولة 1981 المجلد الأول د/أحمد صادق القشيري/.
    - 10- تحكيم غرفة التجارة الدولية بباريس وعلاقته بالانفتاح الاقتصادي .
    المستشار محمد مصطفى حسن/ مجلة مصر المعاصرة بوليو 1974 عدد 357.
    - 11- التحكيم في العلاقات الدولية الخاصة. اتفاق التحكيم.
    د/ سامية راشد / دار النهضة العربية 1984.
    - 12- التحكيم التجاري الدولي.
    د/محسن شفيق/ كلية الحقوق جامعة القاهرة 1974.

    1- Jeswald salacus.w : Back to contrat : the american Journal of comperative law : vol XXVII spring 1980N°2
    2- B.Goldman : les conflits des lois dans l’arbitrage international revue académique LAHAY 1956.
    3- R.Boubles : violation de l’ordre public moyen de nullité du compromis d’arbitragesJ.C.P 1962/1676.
    4- Henris Rolin : Vers un ordre public réellement international. Colloge Paris 1960.
    5- CH.Cavabiber : l’arbitrage international et la réserve de l’ordre public : revue de l’arbitrage 1956.
    6- Antoine Kassis : Theorie générale des usages du comerce droit comparé, contrat et arbitrage international, lex mercatoria. L.G.D.J Paris 1984
    7- B.Goldman : la lex mecatoria dans les contrats et l’arbitrage international, réalité et perspective clunet1979.
    8- Regaux F : la nature de Contrôle de la cour de cassation revue d’arbitrage 1986.
    9- J.M.De lenze : évolution des contrats de transfert de processus technologique, ou Knowhow, in droit et pratique du commerce international 1977.

  • تعدد الزوجات في الدول العربية بي

    [b]
    مقدمة:

    يعد تعدد الزوجات واحدا من ابرز الموضوعات التي طالما شكلت نقطة أساسية من النقاط التي دار حولها جدال واسع مند ظهور الإسلام و إلى اليوم بين جميع الفر قاء الدينيين و السياسيين كما شكل احد المحاور الأساسية التي طالها التعديل الأخير لمدونة الأحوال الشخصية في المغرب، وذلك سواء على المستوى الديني الذي سوف تكون مقاربتنا له وصفية أكثر منها تحليلية، نظرا لخطورة أية مقاربة من هذا النوع خصوصا لدى من لا يملك كل أدوات هذه المقاربة، أو على المستوى الاجتماعي و القانوني، هذا المستوى الذي سوف نحاول مسائلته على ضوء ما جاءت به مدونة الأسرة الجديدة مقارنة بما هو قائم أو بما كانت تتضمنه مدونة الأحوال الشخصية من نصوص و قواعد تتعلق بموضوع تعدد الزوجات مع المقارنة بما جاء في بعض قوانين الدول العربية ذات الصلة بالموضوع.
    و لكن قبل هذا و ذاك، دعونا نعود بموضوعنا لنقلب صفحات التاريخ لنستعرض إجمالا الآراء التي حاولت أن تخوض فيه من الناحية الفلسفية الاجتماعية كما من الناحية الدينية قبل أن نأتي على تحليل جوانبه القانونية.

    التأصيل التاريخي و الديني لمسالة تعدد الزوجات

    إذا كان تعدد الزوجات هو تمتيع الرجل بالحق في الزواج بأكثر من امرأة واحدة و الجمع بينهن في وقت واحد، فانه بهذا المعنى لا يعد بدعة استحدثتها الشريعة الإسلامية، بل من الثابت تاريخيا أن كثيرا من الأديان السابقة على الإسلام قد عرفته، كما عرفته المجتمعات القبلية في الجزيرة العربية قبل الإسلام، لكن يلاحظ أن طريقة تناول الديانات الأخرى لهذا الموضوع تختلف عن الطريقة التي تناوله بها الإسلام.
    ففي المسيحية عرف هذا الموضوع تطورا و تدرجا إلى أن وصلت به إلى التحريم، فهي تعتبر بداية نزول آدم و خروجه من الجنة و زواجه من حوا هو نزولا من سمو البتولية إلى عفة الزواج و أن خطأ قوم نوح نحو الرب رغم انه أنقذهم من الطوفان قد أدى إلى عودة الشر إلى الأرض بظهور الزنا و انتشاره و الانحطاط أكثر إلى الشذوذ الجنسي، كما ظهر ذلك ببشاعة في أهل سادوم التي احرقها الله بالنار هي و عمورة، بل و انحدرت البشرية إلى هوة أخرى بعودتها إلى عبادة الأصنام دون الله، فانتشر و تطور الزنا بالناس حتى عرف بينهم البغا أيضا.
    وسط هذا الجو الوثني الفاسد، كان تعدد الزوجات يعتبر عملا شريفا جدا، كما أن فكرة شعب الله *1* التي عرفت عند المسيحيين بأنها تعني ذلك الشعب الذي علمه الله الشريعة و أرسل إليه الأنبياء ليحفظ فيه العقيدة السليمة إلى أن يحين انتشارها في الأرض كلها، فتصبح جميع الأمم هي شعب الله، هذه الفكرة تتماشى أيضا إلى حد كبير مع فكرة تعدد الزوجات، لأنه كان لابد أن يكثر هذا الشعب، بكثرة النسل الذي عد بركة يتوارثها الآباء، قال الله لإبراهيم في الإنجيل {و اجعل نسلك كتراب الأرض، حتى إن استطاع احد أن يعد تراب الأرض فنسلك يعد أيضا } و على هذا الأساس اتخذ إبراهيم أكثر من زوجة، اعتقادا منه أن هذا هو ما يتفق و رغبة الله في مباركة نسله. و بالتالي فان تكاثر النسل كان احد أهم الأسباب الدافعة لتعدد الزوجات في العهود الأولى للديانة المسيحية، تماشيا مع فكرة شعب الله لمقاومة طغيان الوثنية.
    أما في شريعة موسى، فقد كانت طبيعة الشعب الذي نزل فيه موسى و الذي كان يتسم بالقسوة و العناد و كثرة التذمر و الشهوات، سببا كافيا لشرعنة تعدد الزوجات في انتظار تحريمه تدريجيا مع الشعوب المسيحية.
    بداية حرم الله التزوج بالأخت، و كان ذلك ممارسا في القديم – تزوج إبراهيم أخته سارة -، كما حرم الزواج بالأختين – تزوج يعقوب أبي الأسباط ألاثني عشر بأختين معا -، فتطورت هذه المحارم حتى وصلت إلى حد اكبر، من يخالفها يقتل غالبا. و كانت النتيجة في الأخير بعد ظهور المسيح و انتشار المسيحية بما يكفي،أن تم تحريم تعدد الزوجات، اعتبارا إلى انه لم يكن قصد الله منذ البدء، بل انه وضع للبشرية شريعة الزوجة الواحدة عندما أصبح الجو معدا من كل ناحية و لم يعد هناك سبب واحد للإبقاء على تعدد الزوجات، بل يقولون في المسيحية <<الآن يعمل الرجل أحسن لو انه لم يتزوج حتى زوجة واحدة، إلا انه إذا كان لا يستطيع أن يضبط نفسه>> *2*.
    كما ذهبت الديانة المسيحية إلى أكثر من ذلك بتحريم الطلاق و اعتبار من طلق زوجته و تزوج أخرى فقد زنى، فقد قال المسيح في عظته على الجبل << و إما أنا فأقول لكم، أن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني، و من تزوج بمطلقة فانه يزني.>>*3*. و قال القديس مرقس الرسول << من طلق امرأته و تزوج بأخرى يزني عليها، وإن طلقت امرأة زوجها و تزوجت بآخر تزني>>. و كان هذا الموقف تعبيرا وشرحا لفكرة الجسد الواحد -4- التي تعرف في المسيحية كتعبير عن مدى الترابط الذي يتم بين الزوجين عندما يترك الزوج أباه و أمه و يلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدا. يقول المسيح: << إذن ليسا بعد اثنين، بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان >>. لذلك يقول المسيحيون عند إرادة الزواج: << لقد أصبحتما الآن واحدا، مخلوقا حيا واحدا، هذه الوحدة فيها الرجل هو الرأس و المرأة هي الجسد >>. وبالتالي فان فكرة الجسد الواحد تجعل تعدد الزوجات أمرا متعذرا. فليس بالإمكان منطقيا أن يكون الرجل في جسد واحد مع أكثر من امرأة، إذ يستحيل اجتماع ثلاثة في جسد واحد ولا أربعة.
    إذن مهما كان الرأي أو الموقف من هذا التحليل الديني المسيحي بالموافقة أو بالرفض، يتضح أن مسالة تعدد الزوجات في الديانة المسيحية قد تدرج الحكم فيها من الإباحة و التشجيع عندما كانت المصلحة تقتضيها اعتمادا على فكرة شعب الله، إلى التحريم عندما أصبحت نفس المصلحة لا تقتضيها اعتمادا على فكرة الجسد الواحد.
    وإذا كانت الديانة المسيحية قد انتهت إلى تحريم تعدد الزوجات و اعتباره زنى، فانه لا خلاف على أن الشريعة الإسلامية قد أحلته واعتبرته مباحا من الناحية المبدئية، ذلك أنها لم تنشئ هذا النظام و لم تدعوا إليه، وإنما وجدته قائما فأبقت عليه وزادت فنظمته بقواعد تبعد عنه أية شبهة بالتعسف. و دليل ذلك قوله تعالى: << يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا و نساء، و اتقوا الله الذي تسالون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، انه كان حوبا كبيرا، وان خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث ورباع، فان خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا...>> .-5- . وهي الآية التي كانت مثار نقاش مستفيض بين المفسرين و الفقهاء على حد سواء، ونصها لم يعتبر قط نصا قطعيا أو محكما في دلالته، بل يدخل في إطار العام المخصوص، وهو ذو دلالة ظنية باتفاق المذاهب الأربعة، بمعنى انه نص قابل للاجتهاد، ويجب أن يبث فيه ذوي الاختصاص وفق مصلحة الناس وخيرهم ووفق منطلق منع الضرر و الإضرار، وعلى قاعدة << درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة >> لا بناء على معارضة أو مناهضة أو تشدد و تعصب وانغلاق. -6-. وانطلاقا من هذا التحليل، أول ما يمكن ملاحظته من سياق الآية و الأسلوب الذي نزلت به، هو أن جواز تعدد الزوجات و أباحته لم تكن الهدف الأصلي للحكم الوارد في القرآن -7- بقد رما كان تقييد هذا التعدد و تقعيده وتنظيمه هو الهدف. معتبرا أن الأمر يتعلق بنظام اجتماعي موجود وممارس بغير حدود قبل نزوله، وكان عرف الناس يجري على إباحته. كما لم ترد في القرآن آية كاملة تنص على أباحة تعدد الزوجات، بل ورد ذلك التعدد مقرونا بموضوع اليتامى، ثم النص بشرط << إن خفتم...>> وكان جواب الشرط << فانكحوا...>>.
    و بتأمل الآية الكريمة نجد أن قوله تعالى << وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى...>> هو خطاب من الله تعالى موجه للناس معناه أن الخوف من ظلم اليتامى محتمل الوقوع لدى البعض، لذلك يجب أن يلتزموا بقيود تعدد الزوجات. وعدم الإقساط في اليتامى يعني ظلمهم بعدم إعطاءهم نصيبهم العادل في الحياة. ذلك أن هذه الآية نزلت في شأن الأولياء الذين وقعوا في حرج شديد من الولاية على اليتامى مخافة الوقوع في ظلمهم و أكل أموالهم بالباطل مع أنهم كانوا لا يتحرجون من ترك العدل بين الزوجات، إذ كان الواحد منهم يجمع في عصمته ما شاء من النساء ولا يعدل بينهن. لذلك خاطبهم الله سبحانه و تعالى بقوله :<< فان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى..>> أي إذا خفتم من ظلم اليتامى، فخافوا أيضا من ظلم النساء، وقللوا عدد الزوجات إلى حد الأربعة منهن فقط، وإذا خفتم الظلم و الجور في الزيادة، فاقتصروا على واحدة.-7-.
    أما الأمر بالنكاح الوارد في قوله تعالى :<< فانكحوا>> فلم يكن أمرا على سبيل الوجوب والالتزام، إنما هو أمر على سبيل التأديب والإرشاد والإعلام -8- ، وحجة ذلك تخيير الآية للمخاطبين بها بين الزواج باثنتين أو ثلاث أو أربع، فان خافوا ظلم النساء أو اليتامى أو أنفسهم فواحدة، ولو كان الأمر على سبيل الوجوب لما كان هناك خيار، ولما نهى الله عن هذا التعدد عند خوف عدم العدل.ومن هنا يتضح أن قوله تعالى << فانكحوا >> وإن جاءت صياغته في صورة الأمر، إلا أنه بمعنى النهي عن كل نكاح يخاف الإنسان الظلم فيه، وهو تأديب للناس لينتهوا عن ظلم اليتامى تحت ستار الزواج وهو إرشاد وإعلام للناس بوسيلة يهذبون بها نظاما اجتماعيا ألفوه و جرت به عاداتهم، و توضيحا بأن الأمر لا يتعلق بحق من حقوق الله تعالى على عباده يذنبون بتركه ويجازون بفعله، بل هو أمر يتعلق بحقوق عباده في ما بينهم، يدلهم على أحسن الطرق لاستيفائه. لذلك وبعد أن اقر القرآن الناس على ما جرى به عرفهم من تعدد الزوجات، اشترط أن يكون ذلك مثنى وثلاث ورباع، وذلك على سبيل الحصر لا المثال، ودليل ذلك ما رواه الترمذي عن بن عمر أن غيلان ابن سلمة الثقفي اسلم وله عشرة نسوة في الجاهلية فاسلمن معه، فأمره الرسول << ص >> أن يتخير منهن أربعة ويفارق الباقي. وما رواه قيس بن الحارثة الاسدي قال :<< أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي << ص >> فقال : << اختر منهن أربعا.. >> كما أن إباحة تعدد الزوجات إلى أي عدد بلا حصر أمر جرى به عرف الناس وقت ظهور الإسلام، وكان يكفي أن يجري عرف المسلمين به ولا يرد في القرآن ما ينسخه حتى يعتبر مباحا عندهم، ولكن نزلت الآية لتضع القيود على تعدد الزوجات.
    إلا أن الشرط الأساسي الذي لا محيد عنه لإمكان إجازة تعدد الزوجات في الإسلام كان هو العدل << فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة >> وقوله تعالى: << ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ...وإن يتفرقا يغن الله كل من سعته، وكان الله واسعا حكيما >>-9-. فبقوله تعالى << أن لا تعدلوا >> لم يقيد بموضوع معين يجب العدل فيه ويسهل الوقوف على تحققه، بل هو مطلق، يشمل كل صور الظلم، فمن خاف من ظلم الزوجات أو ظلم اليتامى أو من ظلم أولاده أو من ظلم نفسه بتكليفها ما لا تطيق، وجب عليه الاقتصار على زوجة واحدة. وهو واجب لمجرد الخوف من الظلم وقد لا يحصل، يقول الشيخ محمد عبده: << يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج بأكثر من واحدة >> -10-
    و اشتراط العدل في آيات تعدد الزوجات كان له مغزى هام. فالعدل من التكاليف الدينية الواجبة على كل إنسان، سواء أكان ممن عدد زوجاته أو كان ممن تزوج بواحدة فحسب. لكن ما هي معايير العدل التي يثبت معها الحق في التعدد؟
    حدد القرآن معيار العدل في أمرين :
    الأول: أن العبرة بالنوايا الحسنة وتلك علمها عند الله، كما يمكن أن تكون العبرة بالعمل الصالح وهو ما يمكن إدراكه من قبل البشر << و ما تفعلوا من خير فان الله كان به عليما >>
    الثاني: أن العدل في الأصل هو المساواة الكاملة بين المتماثلين -11- وهو بذلك يقتضي المساواة بين الزوجات في المأكل و الملبس و النفقة و السكن و المبيت و الجماع و المودة و المحبة... وغير ذلك من الأمور كلها.
    لكن إذا كان العدل في المأكل و الملبس و النفقة و السكن هو من الأمور التي يسهل التأكد منها و الوقوف على مدى توفرها من عدمه، فإن باقي معايير العدل هي من الأمور التي لاشك أنها في غير مستطاع كافة الناس لذلك قال تعالى << ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم >> و عن جابر بن زيد أنه قال: << كانت لي امرأتان، فلقد كنت اعدل بينهما حتى أعد القبل >> -12-. وهو ما يتضح معه صعوبة تحقق هذا الشرط الذي لا بد منه لإمكان إجازة التعدد. قال الرسول(ص) : << من كانت له امرأتان ولم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط أو مائل >> وهي علامة تفضحه أمام كل خلق الله يوم القيامة، بل إن الرسول (ص) نفسه كان يدعوا الله قائلا: << اللهم إن هذا قسمي فيما املك فلا تلمني في ما تملك ولا املك>> ولكي يتحقق العدل على هذا الأساس يجب النظر لصلة الزوجية لا لصفات الزوجة، كما يجب تحقيق المساواة في النفقة و المسكن و الملبس و المعاملة، إلى غيرها من الأمور التي لا يمكن قيام العدل بدونها. فإذا تحققت كان الزوج عادلا وحق له أن يعدد زوجاته، أما إذا انتفت فإنه يستحق عقاب ربه لأنه يكون بذلك مذنبا ظالما، ومن الناحية الدنيوية يعتبر هذا الزوج مرتكبا لجريمة ظلم الزوجات، وهي من الكبائر، وهي جريمة تعزيرية يترك فيها للقاضي توقيع العقوبة المناسبة، مع حفظ حق الزوجة في طلب الطلاق للضرر.
    و في هذا السياق ذهب الشيخ محمد رشيد رضا قائلا: << وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرم قطعا عند الخوف من عدم العدل>>
    و يذهب الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر إلى أنه لا يوجد ما يسمى بتعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية أصلا، إنما التعدد الذي أباحته شريعة الإسلام هو تعدد في أمهات اليتامى فقط، مستدلا على ذلك بقول الله تعالى “وإنْ خِفْتُم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع”.
    ويوضح الدكتور السايح أن المقصود من قول الله تعالى “وإنْ خِفْتُم” جملة شرطية، وفعل الشرط فيها “خِفْتُم”، وجوابه “فانكحوا”، وقوله تعالى “من النساء”، ولم يقل من الفتيات، لأن المرأة إذا تزوجت وطُلقت أو مات عنها زوجها؛ وقفت في صف النساء، وليس في صف الفتيات.
    وقد طبق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك في زواجه، حيث لم يتزوج بكرا غير السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ وباقي نسائه كُنَّ إما أرامل، أو أمهات يتامى، أو مات عنهن أزواجهن. وبالتالي، فإن تعدد الزوجات ليس مطلوبا في الإسلام بنص آيات القرآن الكريم، والتعدد شُرع فقط للنساء أمهات اليتامى، لأجل مصلحة اليتامى، فإذا كان قد حدث في عهود الصحابة تعدد للزوجات، فإنما كان ذلك إتباعا للأعراف والتقاليد التي كانت موجودة آنذاك.

    من كل ما تقدم يتضح أن الشريعة الإسلامية لم تأتي بحكم نهائي في تحريم أو تحليل تعدد الزوجات بالمعنى القطعي، بل اعتبرت المسالة مما يدخل في فقه الواقع أكثر مما يدخل في فقه النصوص لتعلقها بمصالح البشر الدنيوية، و تدخلت فقط في حالة اختيار التعدد لتنظمه بشكل يجعله لا يؤدي إلى الظلم و التعسف. و بالتالي يمكننا القول بان مسألة تعدد الزوجات لا تدخل إطلاقا ضمن ما يمكن أن نختلف عليه من باب تحريم الحلال و تحليل الحرام. أي أن الأمر متروك للبشر لا يثاب على فعله و لا يعاقب على تركه. ومن ثم لم يكن النقاش الذي يدور بين مؤيدي تعدد الزوجات ومعارضيه عقيما بل حقا لكلا الطرفين لا يمس أي حق من حقوق الله تعالى لا بالتحريم ولا بالتحليل، كل فريق يدفع بما لديه من أسانيد وحجج ليدعم وجهة نظره في مدى جدوى نظام تعدد الزوجات من عدمه. كأن يقول من يؤيد هذا النظام، بان نظام الزواج الفردي فشل في أن يحقق لكل فتاة حقها في أن يكون لها زوج -13-، ويرد الفريق المعارض لنظام التعدد، بأن هذا النظام هو بدائي يؤشر على حالة المرأة انحطاطا و رقيا -14-، و ما هو إلا تجميل لصور العبودية التي يمارسها الرجل على المرأة، كما يتنافى و رغبة المجتمع في تحرير المرأة حيث ينتقص من قيمتها و مكانتها لصالح الرجل وعلى حساب كرامتها وعزتها، كما أن فيه ما فيه من تهديد لاستقرار الأسرة كنواة لبناء المجتمع الصالح، بل ذهب هؤلاء إلى حد القول بأن نظام تعدد الزوجات، فيه هدم من الأساس لقضية المساواة بين الرجل و المرأة، ذلك أنه لا يعقل أن يباح للرجل أن يعدد زوجاته، بينما يحرم على المرأة أن تعدد أزواجها. فيرد عليهم أنصار التعدد بان له الكثير مما يبرره، ابتداء من حالة عجز الزوجة عن الإنجاب لعقم أو عيب جنسي أو مرض مزمن، أو حب الرجل المتزوج لامرأة أخرى حبا لا يستطع معه التحكم في أهواء نفسه ويخاف معه الزنا أو كراهية الرجل لزوجته وإشفاقه عليها في نفس الوقت مع الأمل في إصلاح أحوالها أو رعاية لأولادهما، أو كراهيته للطلاق كأبغض الحلال إلى الله، أو عودة المطلقة إلى عصمة زوجها السابق كمبرر للتعدد أو صلة القربى التي قد تفرض على الرجل المتزوج أن يتزوج من قريبة له لحاجتها الماسة إليه ورفعا للحرج عند دخوله بيت هذه المرأة لرعاية أولادها. و صولا إلى سبب عام لتعدد الزوجات يقول به مناصريه وهو وجود فائض رهيب من النساء غير المتزوجات.

    مهما كانت المبررات التي يدفع بها كل فريق ليدافع عن وجهة نظره من نظام تعدد الزوجات بالتأييد أو المعارضة، فإنها تبقى كلها قابلة للنقاش و مردود عليها في الاتجاهين. ولكن يظل هذا السجال مشروعا مادام يخلوا من التعصب للرأي و التطرف في الحكم على الرأي الآخر، و يبقى في حدود النقاش الدنيوي الإنساني الذي يحتمل الخطأ هادفا إلى تحسين ظروف حياة البشر، سواء خلص إلى إقرار التعدد المطلق أو إلى إقرار التعدد المقيد بقيود و شروط تنظمه، أو خلص في النهاية إلى منع و تحريم ممارسة تعدد الزوجات. وهذا هو الحال الذي عليه التشريعات العربية و الإسلامية، إذ هي متباينة و مختلفة حول الموضوع. وهو ما سيكون موضوع تحليلنا في الجزء الثاني من هذه الورقة بالإضافة إلى التوقف بالقراءة عند نصوص مدونة الأسرة المغربية الجديدة.

    تعدد الزوجات في القوانين المقارنة العربية و مدونة الأسرة

    انقسمت مواقف التشريعات العربية حول موضوع تعدد الزوجات إلى ثلاث مواقف متباينة، فمنها من تبنت نظام التعدد بدون شرط ولا قيد، ومنها من تبنته ولكن مع التقييد بشروط، وفي الأخير منها من منعته و اعتبرته جريمة يعاقب عليها القانون.
    فمن البلدان العربية الإسلامية التي سمحت بنظام تعدد الزوجات بشكل مطلق و لم تقيده بأي شرط ما عدا شرط عدم تجاوز عدد أربع زوجات، نجد: المملكة الأردنية الهاشمية، الكويت، المملكة العربية السعودية. ذلك أن المادة العاشرة من قانون حقوق العائلة الأردني نصت على ما يلي : << من كان له أربع زوجات منكوحات أو معتدات لا يجوز زواجه بامرأة أخرى قبل أن يطلق أحداهن و تنقضي عدتهن >>.
    من خلال هذا النص يتضح أن هذه التشريعات اعتبرت تعدد الزوجات أمرا مسلما به على الإطلاق و هو القاعدة، تبعا لما ذهب إليه قلة من فقهاء الشريعة من أن تعدد الزوجات في الإسلام هو أمر مستحب، بحيث يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. وبالتالي تكون هذه التشريعات قد تعاملت مع الموضوع وكأنه خصوصية من الخصوصيات الدينية في الإسلام و ليس امرأ يتعلق بالبشر يكيفونه حسب مصالحهم الظرفية و اكراهات حياتهم اليومية.
    ومن البلدان التي أخذت بالموقف الثاني الذي ينظم و يقيد تعدد الزوجات نجد: الجزائر، ليبيا، مصر، المشروع العربي الموحد لمدونة الأحوال الشخصية، المغرب.
    فلقد نصت المادة ستة مكرر من القانون رقم 44 لسنة 1979 المصري على ما يلي : << على الزوج أن يقدم للموثق إقرارا كتابيا يتضمن حالته الاجتماعية ، فإذا كان متزوجا فعليه أن يبين في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته وقت العقد الجديد ومحال إقامتهن، و على الموثق إخبارهن بالزواج الجديد بكتاب موصى عليه.
    و يعتبر إضرارا بالزوجة اقتران زوجها بأخرى بغير رضاها ولو لم تكن قد اشترطت عليه في عقد زواجها عدم التزوج عليها، و كذلك إخفاء الزوج على زوجته الجديدة انه متزوج بسواها.
    و يسقط حق الزوجة في طلب التفريق بمضي سنة من تاريخ علمها بقيام السبب الموجب للضرر، ما لم تكن رضيت بذلك صراحة أو ضمنا>>.
    وقد حكم في ظل القانون 44 لسنة 1979 بان الزواج الجديد دون رضا الزوجة التي في عصمة زوجها، يعد ضررا مفترضا بحكم القانون، بحيث يجوز للزوجة طلب التطليق دون حاجة لإثبات هذا الضرر. -15- ويتحقق الضرر في ظل قانون 44 لسنة 1979 المصري، نتيجة اقتران الزوج بأخرى ولو انتهى الزواج الجديد بالطلاق.
    هذا الموقف القضائي تم انتقاده من قبل البعض على أساس أن التطليق للضرر الذي تجيزه بعض المذاهب الفقهية، لا يحكم به إلا إذا ثبت. و بالتالي فان افتراض هذا الضرر لمجرد تعدد الزوجات، هو أمر مخالف للشرع. على انه و إن كان هذا الانتقاد قد يبدوا منطقيا، إلا انه يجب ألا ننسى أن الضرر الذي على أساسه تطالب الزوجة بالتطليق في هذه الحالة- و إن لم يكن سببه المباشر هو التعدد- إلا انه يجد منشئاه في الزواج بأخرى و بالتالي في هذا التعدد، و من ثمة فان وقوع الضرر في وضعية التعدد هو أمر مفترض و يشكل مبررا كافيا يجعل التعدد نفسه ضررا يحق معه طلب الطلاق.
    على أن مشروع القانون الذي تم التقدم به إلى البرلمان منذ نهاية سنة 2008 يتضمن مستجدات تساير بشكل يكاد يكون متطابق ما ورد في مدونة الأسرة المغربية الجديدة حيث أصبح التعدد مشروطا بأربعة شروط هي:
    - الحصول على تصريح من المحكمة،
    - ألا تكون الزوجة الأولى قد اشترطت عليه عدم الزواج ثانية في ظل ارتباطه بها،
    - ضمان العدل بين الزوجات و القدرة على الإنفاق عليهن
    - إعطاء المرأة في كل الأحوال حق الطلاق الفوري بمجرد تزوج زوجها.

    و إذا كان مشرع القانون 44 المصري المعمول به حتى الآن قد اكتفى بقيد رضا الزوجة للسماح بالتعدد، فان تشريعات عربية أخرى ذهبت إلى أبعد من ذلك و نصت على قيود يمكن أن نسميها قضائية للتعدد فمنعته إلا بإذن من القاضي، بحيث لا يسمح به إلا بعد تأكده من تحقق ما اشترطه الشرع و التشريع. و ربطت سماع الدعوى في نزاع يتعلق بزواج أدى إلى التعدد بكون هذا الزواج تم عقده بإذن القاضي-16-، على أن هذا الموقف الأخير يظل منتقدا بحكم إضراره بالزوجة أو المرأة عموما من جهة ومن جهة أخرى لأن المنع من سماع دعوى الزواج الذي لم يأذن فيه حرام، لأن الله جعل القضاء فريضة محكمة في عامة الخصومات في الإسلام. فالمشروع العربي الموحد لمدونة الأحوال الشخصية، ينص في الفصل 21 منه على ما يلي: << يجوز الزواج في حدود أربعة نسوة إلا إذا خيف عدم العدل.لا يعقد على زوجة أخرى إلا بإذن من القاضي.... و عند تحقق الآتي :
    1- أن تكون هناك مصلحة مشروعة .
    2- أن تكون للزوج كفاية مالية لإعالة أكثر من زوجة.
    3- أن تشعر المرأة بأن مريد الزواج متزوج من غيرها.
    4- أن تخبر الزوجة بأن زوجها يرغب في الزواج عليها.>>
    وهو نفس موقف المشرع الليبي في المادة 13 من قانون الأسرة رقم 10 لسنة 1984 التي نصت على انه :<< يجوز للرجل أن يتزوج بزوجة أخرى بإذن تصدره المحكمة المختصة بعد التأكد من ظروفه الاجتماعية و قدرته المادية و الصحية. كما يجوز للرجل المطلق الزواج بعد إثبات طلاقه من زوجته الأولى وفقا لأحكام هذا القانون.>>
    كما ذهب إلى نفس الموقف كل من المشرع اليمني و العراقي. ينص الأول في المادة 11 من قانون الأحوال الشخصية على انه << لا يجوز الزواج من ثانية إلا بإذن كتابي من المحكمة الجزئية المختصة و ليس للمحكمة أن تمنح الإذن إلا إذا ثبت لديها احد الأمور التالية:
    1- عقم الزوجة بتقرير طبي شريطة أن لا يكون الزوج قد عرف به قبل الزواج.
    2- مرض الزوجة مرضا مزمنا أو معديا بتقرير طبي شريطة أن لا يكون قابلا للشفاء.
    يصبح إذن المحكمة الكتابي نافذ المفعول إذا لم يتم الطعن فيه أمام المحكمة الأعلى درجة خلال شهر من تاريخ اصداره.>> .
    كما اشترط المشرع العراقي إذن القاضي بعد التأكد من وجود مصلحة مشروعة و قدرة الراغب في التعدد على الإنفاق و تحقيق العدل بين الزوجات، وقضى ببطلان الزواج في حالة المخالفة بالإضافة إلى عقوبات تتمثل في الحبس مدة عام واحد أو غرامة قدرها 100 دينار.
    و مبرر هذه التشريعات في اشتراط إذن القاضي مع وجود سبب مقنع لجواز التعدد هو أن قول الله سبحانه << و إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع…>> قد جعل من وجود الحرج في ولاية اليتامى مبررا لإباحة تعدد الزوجات، و يقاس على هذا المبرر كل مبرر آخر مشروع. كما أن الزواج بواحدة هو الأصل في الإسلام، و أن التعدد استثناء، و لا يعمل بالاستثناء إلا عند الضرورة، وهي تظهر عند وجود مبرر لتعدد الزوجات. بالإضافة إلى أن تعدد الزوجات لم يشرع توسعة على الذواقين والذواقات، ومن ثم فأن تعدد الزوجات رخصة حيثما كان هناك مبرر مشروع من أعذار الأفراد أو منطق بعض ضرورات الأمم. كما أن اشتراط مبرر لتعدد الزوجات سيقضي على مشكلاته أو يحد منها.
    على انه و إن كان يمكن مناقشة هذه المبررات، إلا أن أي نقاش فيها لا يمكن أن يؤدي إلى إقصائها، لأن الأصل هو أن اشتراط مبرر لإباحة تعدد الزوجات أمر يهم الجماعة الإنسانية، فلو كان يمس حق الله تعالى لنص عليه صراحة و لم يسكت عنه، ولأمر أو أباح التعدد بشكل مطلق دون قيود أو شروط.
    أما الموقف الثالث من نظام تعدد الزوجات في التشريعات العربية الإسلامية، فهو موقف تحريم التعدد تماما و بشكل مطلق، فهذا الموقف لا يكتفي بتحريم التعدد، بل يتعدى التحريم إلى التجريم و يعاقب عليه القانون مستندا إلى عدة أسباب لعل أهمها:
    _ أن التعدد متوقف على العدل بين الزوجات، و هو الأمر الذي لا محالة يعجز دونه الإنسان بطبعه مصداقا لقوله تعالى:{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم }
    _ و ما جاء في الحديث الشريف { من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة يجر احد شقيه ساقطا أو مائلا }_17_
    _ أن التعدد لابد أن تترتب عنه مشكلات اجتماعية عديدة لخصها الشيخ محمد عبده في ما يلي: { و أما اليوم فان الضرر ينتقل من كل ضرة إلى ولدها، و إلى والده، و إلى سائر أقاربه، فهي تغري بينهم بالبغضاء و العداوة، تغري ولدها بعداوة إخوته، تغري زوجها بهضم حقوق ولده، و هو بحماقته يطيع أحب الناس إليه، فيدب الفساد في الأسرة كلها. و لو شئت تفصيل الرزايا و المصائب المتولدة عن تعدد الزوجات لأتيت بما تقشعر منه جلود المؤمنين.}_18_
    و دفعت بالاستاذ علال الفاسي إلى القول: { ومهما يقال عن محاسن تعدد الزوجات في بعض الظروف الخاصة و العامة، فإنني اعتبر أن المصلحة الإسلامية و الاجتماعية تقضي بمنعه في الوقت الحاضر.}_19_
    ومن البلدان العربية التي تقف من نظام تعدد الزوجات موقف المنع و التحريم و تجعل منه جريمة معاقب عليها، نجد تونس حيث تنص المادة 28 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية على أن:
    { تعدد الزوجات ممنوع. فكل من تزوج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن لمدة عام وبخطية قدرها مائتان و أربعون ألف فرنك أو بإحدى العقوبتين، و لو أن الزواج الجديد لم يبرم طبقا لأحكام القانون.}_20_
    و تطبيقا لهذه المادة أصدرت محكمة التعقيب التونسية القرار التالي: { جريمة التزوج بثانية لا تستكمل ركنها المادي إلا إذا كان هناك زواج فعلي مشاهد قد استوفى مظاهره الخارجية وبرزت حالته مما يحمل على المعاشرة الزوجية.}
    هذا الموقف نعتبره مبالغا فيه، ولا يتفق مع منطق التاريخ الاجتماعي للشعوب العربية الإسلامية، كما لا يتفق مع مقتضيات النصوص الشرعية، ذلك أن الشريعة الإسلامية بمذاهبها الفقهية الأربع المختلفة فيها من المرونة ما يضمن إيجاد الحلول الشافية لكل المشاكل، فالمباح يمكن تقييده _21_
    أما في المغرب فان مدونة الأحوال الشخصية السابقة كانت تنص في الفصل30على:
    { _ إذا خيف عدم العدل بين الزوجات لم يجز التعدد.
    _ للمتزوج عليها إذا لم تكن اشترطت الخيار أن ترفع دعواها للقاضي لينظر في الضرر الحاصل لها، ولا يعقد على الثانية إلا بعد اطلاعها على أن مريد الزواج منها متزوج بغيرها.}
    هذا الفصل رغم انه نص في فقرته الأولى على أن التعدد لا يجوز إذا خيف عدم العدل بين الزوجات، إلا انه ظل منتقدا _22_ لخلوه من عنصر الإلزام القانوني، ما دام الزوج نفسه هو من يقرر مدى قدرته على تحقيق العدل بين زوجاته من عدمه، و كان يجب إخضاع الأمر لمراقبة القاضي مع توقيع جزاء جنائي عند المخالفة كما هو حاصل في اغلب التشريعات التي تتخذ نفس الموقف من التعدد. بل وكما كانت تنص عليه المادة 30 من مشروع نفس المدونة من أن:{ للقاضي أن يأذن للزوج بان يتزوج على امرأته إذا لم تدع الضرورة لذلك أو لم يؤمن من الظلم في الإنفاق و الإسكان و حسن المعاشرة و القيام بالواجبات الزوجية.} غير أن اللجنة المكلفة بصياغة النص النهائي للمدونة لم تمتلك الجرأة الكافية للإبقاء على هذه المادة و عوضتها بالمادة 30 في نصها النهائي المذكور أعلاه.
    أما في الفقرة الثانية، فقد منح المشرع للزوجة الأولى حق رفع دعوى أمام القضاء لينظر في الضرر الحاصل لها نتيجة زواج زوجها بامرأة أخرى، فإذا ثبت الضرر أصدرت المحكمة حكمها بالتطليق، رغم أن هذا الحق كانت المرأة تملكه دائما حتى في حالة الزواج الفردي طبقا للمادة 56 من المدونة، لأنه يتعلق بالتطليق للضرر عامة أكثر منه التطليق للتعدد خاصة. اللهم إلا إذا توسع القضاء في تفسير نص الفقرة الثانية من المادة 30 و اعتبر التعدد في حد ذاته ضررا في بعض الحالات يوجب التطليق، وهو ما لم نجد عنه أي تطبيق في الاجتهاد القضائي المغربي.
    ثم جاءت المادة 31 من المدونة لتنص على انه: { للمرأة الحق في أن تشترط في عقد النكاح أن لا يتزوج عليها، وانه إذا لم يوفي الزوج بما التزم به يبقى للزوجة حق طلب فسخ النكاح.} ومن ثم فإنه إذا اشترطت الزوجة على زوجها في عقد الزواج بان لا يتزوج عليها و انه إذا فعل ذلك، فإن أمرها سيكون بيدها، إذ لها الحق في الخيار بين البقاء معه على تلك الحالة وبين طلب فسخ الزواج ولا تكلف الزوجة في هذه الحالة بإثبات أي ضرر._23_

    أما في مدونة الأسرة موضوع الدراسة، فان المشرع المغربي كان أكثر جرأة مما سبق. فقد تطرق أولا لموضوع التعدد في سبعة مواد بدل اثنتان كما كان حاصلا في مدونة الأحوال الشخصية. وكانت البداية في المادة 39 متحدثا ضمن الموانع المؤقتة للزواج عموما عن ما يلي:{ موانع الزواج المؤقتة هي: .......... _ الزيادة في الزوجات على القدر المسموح به شرعا.........} ويبدوا أن المشرع كان يقصد من هذا النص الإعلان عن موقفه مبكرا من نظام التعدد بشكل عام وتوضيح انه لا يمنعه، ولكن قد يشكل مانعا من موانع الزواج المؤقتة إذا تجاوز عدد الزوجات العدد المسموح به شرعا، وكان يمكن أن يشير إلى العدد أربعة صراحة في المادة لرفع أي لبس. ثم أجل تنظيم الموضوع برمته إلى نصوص المواد التالية.
    فجاءت المادة 40 متضمنة ما يلي:{ يمنع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات، كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها.} فمقارنة بالمادة 30 من مدونة الأحوال الشخصية، يتضح أن مدونة الأسرة استعملت لفظ يمنع في المادة 40 من مدونة الأسرة، بدل لفظ لم يجز المستخدم في المادة 30 من مدونة الأحوال الشخصية. على انه وإن كانت لفظة يمنع تدل على اللزوم والإجبار وبالتالي تدخل جهة معينة لها هذه السلطة لتحقيق هذا المنع، إلا أن واضعي مدونة الأسرة لم يذكروا هذه الجهة منذ البداية في هذا النص صراحة، وإنما اجلوا هذا الأمر مرة أخرى إلى المواد التالية ضمنا، كما أن النص لم يتضمن أي عقوبة تطبق في حالة مخالفة هذا المنع، الشيء الذي يجعل تطبيقه الفعلي محل تساؤل.
    أما الفقرة الثانية من نص المادة 40 من مدونة الأسرة، فإنها جعلت من اشتراط الزوجة عدم التزوج عليها مانعا للتعدد وليس فقط مصدر للحق في الخيار بين البقاء مع الزوج المعدد أو طلب فسخ النكاح من قبل الزوجة كما هو وارد في الفصل 31 وحسنا فعل واضعو مدونة الأسرة بهذا الخصوص.
    ثم نص الفصل واحد و أربعون من نفس المدونة على ما يلي:{ لا تأذن المحكمة بالتعدد:
    _ إذا لم تثبت ضرورته.
    _ إذا لم تكن لطالبه الموارد الكافية لإعالة الأسرتين، وضمان جميع الحقوق من نفقة و إسكان و مساواة في جميع أوجه الحياة.}
    هكذا يكون المشرع المغربي قد لحق بركب التشريعات التي جعلت أمر التعدد بين يدي القضاء، وأصبح تعدد الزوجات لا يجوز إلا بإذن المحكمة وهو ما يفهم ضمنا من عبارة لا تأذن المحكمة بالتعدد التي جاءت مطلقة. ولا ندري ما الذي منع واضعي المدونة من الإشارة صراحة إلى ضرورة الحصول على إذن المحكمة مسبقا لإمكان ممارسة التعدد كما كان عليه الأمر في مشروع سابق لم يكتب له النجاح، حيث كانت المادة 38منه تنص على:{ لا يقع الإشهاد بالزواج من المتزوج إلا بناء على أمر صادر من المحكمة المختصة.}
    كما يفهم من المادة واحد و أربعين من المدونة أيضا أن ممارسة التعدد أصبحت مشروطة بحكم الضرورة و هو ما لم يكن واردا في مدونة الأحوال الشخصية ، بل إن المادة42 من مدونة الأسرة تضيف بأنه على الراغب في ممارس تعدد الزوجات أن يقدم طلبا بذلك إلى المحكمة و أن يضمنه الأسباب الاستثنائية المبررة له، وهي الأسباب والضرورات المتعلقة بالزوج وإن كان مردها قد يكون علة في الزوجة و هو ما يعني أن تعدد الزوجات أصبح يقتضي مبررا يخضع لتقدير القضاء، بحيث إذا اقتنع القاضي بما أبداه الزوج من أسباب أذن له بالتعدد و إذا لم يقتنع رفض الإذن له بالزواج الجديد و أصبح هذا الزواج محرما عليه قانونا، كما انه ليس في نصوص مدونة الأسرة ما يجبر القاضي على تعليل قراراته بمنع التعدد على عكس القرارات المتضمنة للإذن بالتعدد و التي و أن كانت يجب أن تكون معللة إلا أنها لا تقبل الطعن.
    وهو تقريبا نفس موقف المشرع اليمني، وإن كان هذا الأخير قد حدد صراحة الأسباب التي يمكن أن تبرر تعدد الزوجات وهي عقم الزوجة أو مرضها مرضا مزمنا أو معديا غير قابل للشفاء وما دون هذين السببين لا يمكن أن يبرر تعدد الزوجات. أما مدونة الأسرة المغربية فقد تركت الأمر لتقدير القاضي ليبث فيه بحسب قناعته بالمبرر المقدم للتعدد من عدمها.
    ثم أضافت المدونة شرطا رابعا إلى جانب شرط العدل وإذن المحكمة و الضرورة لإمكان جواز التعدد والإذن به، وهو أن تكون لطالب الزواج بالتعدد الموارد الكافية لإعالة جميع زوجاته، وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان ومساواة في جميع أوجه الحياة. و طريقة القضاء للوقوف على قدرة الرجل الحقيقية على إعالة جميع زوجاته هي ما نصت عليه المادة 42 من مدونة الأسرة في فقرتها الثانية من ضرورة إرفاق طلب الإذن بالتعدد بإقرار عن وضعية الرجل المادية.
    و مع ذلك تظل هذه الطريقة غير كافية فعلا للتثبت من إمكانيات الزوج الحقيقية، ما دامت تعتمد على الإقرار الشخصي أو ما يسمى في العمل بالتصريح بالشرف دون أن توجد أي جهة مسئولة تكون مختصة بالتصديق على هذا الإقرار بعد الوقوف على حقيقة الإمكانات المادية لطالب الإذن بالتعدد.
    ثم إن ذكر عبارة _ لإعالة الأسرتين _ في المادة 41 من مدونة الأسرة يثير نوعا من اللبس حول مصطلح الأسرتين، لان المشكل يطرح إذا كان الرجل متزوج مسبقا من زوجتين و أراد الزواج بثالثة و بالتالي تكوين ثلاث اسر، هل تعني هذه العبارة أن هذا الزواج ممنوع ؟ و أن التعدد يعني فقط الزواج بامرأتين فقط لا ثالثة ولا رابعة كما جاء في الآية الكريمة و أخذت به المادة 39 من مدونة الأسرة حين تحدثت عن القدر المسموح به شرعا.
    أما المواد 43، 44، 45 من المدونة فقد جاءت لتضع الإجراءات المسطرية اللازم إتباعها لتحقيق الزواج المتعدد بالشكل الذي يضمن حقوق الزوجة الأولى سواء كانت قد اشترطت عدم الزواج عليها أم لم تشترطه. أما المادة 46 فقد تكفلت بضمان حق المتزوج بها تعددا في أن تشعر من طرف القاضي بان مريد الزواج بها متزوجا بغيرها و رضاها بذلك قبل إتمام عقد الزواج الجديد، ويجب أن يضمن هذا الإشعار و التعبير عن الرضا في محضر رسمي.

    هكذا يكون المشرع المغربي قد خطى خطوة كبيرة نحو الأمام من خلال هذا التنظيم الجديد لمسألة تعدد الزوجات في مدونة الأسرة. خطوة وان كان فيها القليل من التردد إلا أنها لا تحمل الكثير من الجرأة. التردد لأنه يبدوا أن النية الحقيقية التي كانت يجب أن تحرك واضعي المدونة هي منع تعدد الزوجات لولا معطى التوازنات الذي حكم معظم مستجدات هذه المدونة، ولكن فيها الجرأة لأنهم استطاعوا أن يضعوا تنظيما متكاملا تقريبا للموضوع يقع تحت سلطة القاضي وهو المعني بتنفيذه من اجل التقليص ما أمكن من المشاكل التي يثيرها موضوع تعدد الزوجات، على اعتبار انه موضوع إلى زوال مع التقلص المستمر لعدد حالاته، إذ لا تتجاوز في المغرب بضع مئات ولا تمثل في الجزائر سوى3 ./. وفي ليبيا 2./. وبما لا يزيد عن هذا العدد في أكثر الدول العربية الإسلامية بسب الظروف الاقتصادية و الاجتماعية التي تغيرت كثيرا كما بسبب ظهور أفكار و تيارات اجتماعية في موضوع تنظيم الأسرة نتيجة ارتفاع مستوى التعليم و الصحة و الرغبة في تحسين ظروف العيش.

    هوامش:
    1- موريس صادق: موسوعة الأحوال الشخصية لغير المسلمين الطبعة الأولى 1994 ص 220
    2- نجيب جبرائيل ميخائيل: شرح قوانين الأحوال الشخصية لغير المسلمين طبعة 1987
    3- نيافة الأنبا اغريفوريوس: القيم الروحية في سر الزوجية ص 70
    4- موريس صادق: م.س .ص 228
    5- الآيات من 1 إلى 6 من سورة النساء
    6- سامر أبو القاسم: جريدة الأحداث المغربية عدد 28 /12/2003
    7- د/ عبد الناصر توفيق العطار: تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية . مؤسسة البستاني للطباعة . ط 1 . 1988 ص 44
    8- القرطبي: تفسير القرآن – الجامع لأحكام القرآن – ط 1937 ص 13
    9- تفسير الطبري: ج7 ص 547 و تفسير الالوسي ج4 ص193
    10- الآيات من 127 حتى 130 من سورة النساء
    11- تفسير المنار ط 1325 ج 1 ص 350
    12- تفسير الجلالين ط دار القلم بمصر ص 70
    13-تفسير الالوسي ج4 ص 163
    14- وستر مارك – ترجمة عبد المنعم الزيادي - : قصة الزواج ص 41/42
    15- قاسم أمين: تحرير المرأة ص 129
    16- نقض 9/4/1985 في الطعن 38 لسنة 54ق – أحوال شخصية ذكره عبد الناصر توفيق العطار م. س ص 145
    17- مشروع تعديل قانون 44 المصري لم يكتب له النجاح
    18- الآية 129 من سورة النساء
    19- محمد عبده: تفسير المنار ج4 ص 349/350
    20- علال الفاسي: النقد الذاتي ط 6 ص 291/292
    21- إدريس الفاخوري: أحكام الزواج في مدونة الأحوال الشخصية ط 1 -1993 ص163
    22-احمد الخمليشي: التعليق على قانون الأحوال الشخصية ج1 الزواج و الطلاق مطبعة المعارف الجديدة ط2 1987 ص 117
    23- محمد بن معجوز: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية مطبعة النجاح الجديدة 1986 ص82.

    الدكتور رياض فخري
    كلية الحقوق
    جامعة الحسن الأول
    [/b]

  • إنهاء عقد الشغل وفق مدونة الشغل ا

    [b]
    [right]

    مقدمة:

    لطـالـما شـكل إنـتـهاء عـقـد الشـغل و إنـهاءه موضـوعا خصبا للـنـقـاش و الـجدال، إن على مستوى الـفـقه أو على مستوى القـضاء كـما على مستوى الفـرقاء الإجتـماعيين. و مع ذلك لا نجد أي تعريف لهـذا الـموضوع، سـواءا في الـنصوص القـانـونـية المـتـفـرقة لقـانون الشغل او في مدونة الشغل الجديدة التي جاءت حبلى بالتعريفات إلى حد وصلت لأكثر من عـشرون تعريفا لمختلف المواضيع المتعلقة بالعلاقة الشغلية.
    عموما يعني إنتهاء عقد الشغل إنفصام العلاقة العقـد ية التي يرتبها هذا العقـد لكل من طرفـيه أو عليه.
    على أن كل ما فعلته مدونة الشغل هو محاولة تحديد حالات إنـهاء عـقـد الشغل التي يمكن تصنيفها إلى مجموعتين.
    المجـموعة الأولى تهم حالات الإنهاء بناء على مبادرة صادرة من أطراف العلاقة الشغلية و تضم:
     الإنهاء بمبادرة من المشغل
     الإنهاء بمبادرة من الاجير
     الإنهاء بمبادرة مشتركة بين المشغل و الاجير
    أما المجموعة الثانية فتضم حالات الإنهاء بناء على نوع عقد الشغل و تضم:
     إنهاء عقد الشغل المحدد المدة
     إنهاء عقد الشغل غير المحدد المدة
     إنهاء عقد الشغل المؤقت
    و مع ذلك فإن دراسة إنتهاء عقد الشغل تقتضي أكثر من مجرد تحديد حالات الإنتهاء بل تقتضي تحديد أسباب هذا الإنتهاء بدقة كما تقتضي التعرض للمـسـاطر و الإجراءات الواجب إتـباعها في كل حالة على حدى و أخيرا تقتضي تدقيق الآثار الناجمة عن إنقضاء هذا العقد.
    لكن قبل تفصيل هذه الأسباب و المساطر و تلك الآثار يـقـتضي منا الأمر تمحيص و تدقيق بعض المفاهيم التي قد تختلط و تتداخل في ذهن المتصفح لنصوص مدونة الشغل و يتعلق الأمر ب:
     الإنتهاء
     الإنهاء
     الفسخ
     التوقيف
    فإذا كان قد سبق لنا أن عرفنا انتهاء عقد الشغل بأنه إنـفـصام العلاقة الشغلية، فإن هذا التعريف لا يعدو أن يكون إنعكاسا لأثار إنقـضاء العقـد الذي يربط المشغل بالأجيـر مهما كان سبب هذا الانقضاء، لدلك فان ما يميز انتهاء عقد الشغل هو أن مجاله الخصب يوجد في العقد المحدد المدة الذي ينتهي بشكل طبيعي بإنتهاء مدته أو بإستنفاذ الشغل موضوعه، لذلك نتحدث دائما عن إنتهاء عقد الشغل المحدد المدة.
    أما الإنهاء فغالبا ما يثور عندما ينقضي عقد الشغل بمبادرة من أحد طرفيه سواء كان المشغل أو كان الأجير و بغض النظر عن طبيعة العقد محدد المدة قبل إنتهاء مدته أو قبل إستنفاد الشغل موضوعه أو غير محدد المدة في أي لحظة.
    أما الفسخ فيثور عندما يمتنع أحد أطراف العقد عن تنفـيد الإلتزامات التي يرتبها هذا العقد على عاتقه. و غالبا ما لا يلجأ أطراف العقد إلى آلية الفسخ لإنهاء علاقتهما و ذلك نظرا لتوفر إمكانيات أخرى كثيرة أقل تعقيدا تسمح بإنهاء العقد دون الدخول في متاهات مسطرة الفسخ سواء أكان بمقتضى العقد أو كان فسخا قضائيا.
    و أخيرا هناك حالات يتوقف فيها عقد الشغل عن إنتاج آثاره المتبادلة بين طرفيه لمدة من الزمن دون أن يؤدي الأمر إلى إنهاءه بشكل تام، بل يعود بعد فترة لمعاودة إنتاج نفس الآثار التي كانت تترتب عنه قبل توقـفـه.
    بالعودة إلى موضوعـنا، نرتإي تقسيم هذه الدراسة إلى ثلاثة محاور، نتطرق في الأول إلى أسباب إنتهاء عقد الشغل و أسباب إنهاءه، و نقف في الثاني على المساطر و الإجراءات الواجب إتباعها قبل قطع العلاقة الشغلية بين المشغل والأجير، و نخصص الثالث للآثار التي قد تنجم عن إنقضاء عقد الشغل.

    المحور الأول : أسباب إنتهاء عقد الشغل.

    تميز مدونة الشغل حين يتعلق الأمر بأسباب إنتهاء عقد الشغل بين الإنهاء المبرر و بين الإنهاء غير المبرر، و لكن تتحدث أيضا عن الإنهاء التعسفي:

    المطلب الأول: الإنهاء المبرر.

    الإنهاء المبرر هو ذلك الإنهاء الذي يستمد مشروعيته من أحد الأسباب العامة التي تؤدي إلى إنقضاء العقود في القواعد العامة للقانون، أو من أحد الأسباب التي حددتها مدونة الشغل بشكل مباشر.
    و يمكن تقسيم هذه الأسباب المبررة لإنهاء عقد الشغل إلى أسباب عامة تتعلق بعقد الشغل مهما كان نوعه، وأخرى خاصة بكل نوع من أنواع عقود الشغل.

    الفقرة الأولى: الأسباب العامة لإنهاء عقد الشغل.

    تتوزع هذه الأسباب بحسب نسبتها لشخص الأجير أو بحسب تعلقها بنصوص القواعد العامة للقانون أو بنود العقد، كما بحسب نصوص المدونة ذاتها.

    أولا: الإنهاء لإسباب شخصية:

    1- حالة حصول خطأ جسيم من جانب الأجير:
    على غرار التشريعات الأخرى لم تعرف مدونة الشغل مفهوم الخطأ الجسيم بسبب عدم إمكان حصر مختلف صوره و لإرتباطه بصفة خاصة بوقائع كل نزاع على حدة. ومع ذلك فقد عرفه الفقه بأنه ذلك الخطأ الذي يرتكب من قبل أحد طرفي العلاقة الشغلية، فيجعل إستمرار هذه الأخيرة مستحيلا.
    و إذا كانت مدونة الشغل الجديدة قد نصت على مجموعة من الأخطاء التي تعد جسيمة إذا إرتكبها الأجير وذلك في المادة 39 ، فإن الأخطاء التي كانت مذكورة في الفصل 06 من النظام النموذجي لسنة 1948 و لم يعاد ذكرها في المادة 39 من المدونة، مثل: ترك الشغل عمدا و بدون مبرر، ثقب ورقة أجير آخر، التأخر المتكرر عن أوقات العمل، تظل دائما أخطاء جسيمة حتى في ظل المدونة الجديدة، لإن اللائحة الواردة في المادة 39 من هذه المدونة لم تأتي على سبيل الحصر، بل على سبيل المثال بدليل أن مطلع المادة 39 يقول:تعتبر بمثابة أخطاء جسيمة يمكن أن تؤدي إلى الفصل..." ولكن فقط يظل تقدير إعتبار خطأ ما من غير الأخطاء الواردة في المادة 39 جسيما، خاضعا لتقدير القضاء على أن اللائحة الواردة في المادة 39 جاءت شاملة و طويلة لحد يصعب تصور وجود أخطاء أخرى جسيمة يمكن أن يرتكبها الأجير غير:
     إرتكاب جنحة ماسة بالشرف، أو الأمانة، أو الآداب العامة، صدر بشأنها حكم نهائي و سالب للحرية.
     إفشاء سر مهني نتج عنه ضرر للمقاولة.
     إرتكاب الأفعال التالية داخل المؤسسة أو أثناء الشغل:
     السرقة
     خيانة الأمانة
     السكر العلني
     تعاطي مادة مخدرة
     االإعتداء بالضرب
     السب الفادح
     رفض إنجاز شغل من إختصاصه
     التغيب بدون مبرر لأكثر من أربعة أيام أو ثمانية أنصاف يوم خلال الإثني عشر شهرا
     إلحاق ضرر جسيم بالتجهيزات أو الآلات أو المواد الأولية عمدا أو نتيجة إهمال فادح
     إرتكاب خطأ نشأت عنه خسارة مادية جسيمة للمشغل
     عدم مراعات التعليمات اللازم إتباعها لحفظ السلامة في الشغل و سلامة المؤسسة ترتب عنها خسارة جسيمة
     التحريض على الفساد
     إستعمال أي نوع من أنواع العنف و الإعتداء البدني الموجه ضد أجيرأو المشغل أو من ينوب عنه لعرقلة سير المقاولة.
    أما الأخطاء الجسيمة التي يمكن أن يرتكبها المشغل و تؤدي إلى إنهاء عقد الشغل فقد نصت عليها المادة 40 من المدونة الجديدة و ذلك على سبيل المثال و ليس الحصر و هي:
     السب الفادح
     إستعمال أي نوع من أنواع العنف و الإعتداء الموجه ضد الأجير
     التحرش الجنسي
     التحريض على الفساد

    في حين أن الفصل خمسة من النظام النموذجي لم ينص سوى على حالتين يعد فيهما خطأ المشغل جسيما: ضرب الأجير، و الحث على الفساد.
    وعموما يعد الخطأ الجسيم سببا عاما لإنهاء عقد الشغل مهما كان نوع هذا العقد، أكان عقدا محدد المدة، أو عقد غير محدد المدة و سواء كان الخطأ الجسيم قد أرتكب من قبل الأجير أو من قبل المشغل.

    2- حالة إستنفاذ العقوبات التأديبية:
    تعد أيضا هذه الحالة سببا مبررا لإنهاء عقد الشغل من قبل المشغل مهما كان نوع هذا العقد.
    و لقد نصت على هذه الحالة المادة 38 من مدونة الشغل بقولها: يتبع المشغل بشأن العقوبات التأديبية مبدأ التدرج في العقوبة. و يمكن له بعد إستنفاذ هذه العقوبات داخل سنة أن يقوم بفصل الأجير، و يعتبر الفصل في هذه الحالة فصلا مبررا على أن العقوبات التأديبية التي قد يتخذها المشغل في حق الأجير و التي تؤدي بعد إستنفاذها خلال سنة إلى فصل الأجير و إنهاء عقده، هي تلك العقوبات التي نصت عليها المادة 37 من مدونة الشغل وتتمثل في:
     الإنذار
     التوبيخ
     التوبيخ الثاني، أو التوقيف عن الشغل مدة لاتتعدى ثمانية أيام
     التوبيخ الثالث، أو النقل إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى عند الإقتضاء.
    مع العلم أن المشغل لايستطيع فصل الأجير لهذا السبب إلا بعد إتباع التدرج أو الترتيب الوارد في المادة 37 بخصوص العقوبات التي قد يتخذها المشغل بسبب إرتكاب الأجير لخطأ غير جسيم.

    3- حالة إنعدام كفاءة لدى الأجيراو بسبب سلوكه:
    لقد وضع مشروع مدونة الشغل مبدأ عاما مفاده منع فصل الأجير دون مبرر مقبول، و نعتبر أن المبرر المقبول هو كما رأينا إرتكاب الأجير لخطأ جسيم، أو غير جسيم أدى إلى إستنفاذ جميع العقوبات التأديبية. أو كان المبرر مرتبطا بكفاءة الأجير أو سلوكه. على أن مفهوم الكفاءة و السلوك يظل مطاطا يستعصي على التحديد الدقيق ليظل خاضعا من جهة لتقدير المشغل ومن جهة أخرى لتقدير القضاءإذا عرض عليه النزاع. كما يرتبط مفهوم الكفاءة بمسألة أخرى تتعلق بما يسمى التكوين المستمر. فإذا كان عدم الكفاءة يعود لإدخال أساليب جديدة في العمل أو تكنولوجية حديثة دون تمكين الأجير من تكوين يجعله مؤهلا للتعامل مع الأوضاع الجديدة، فإن هذا السبب يصبح مبررا غير مشروع لفصله. أما مفهوم السلوك المتحدث عنه هنا، فيرتبط بلائحة الأخطاء الجسيمة المنصوص عليها في المادة 39 من المدونة. على أن إدراج هذا السبب بشكل منفصل في المادة 35 إلى جانب إنعدام الكفاءة، لم يكن إلا لتكييف الحالات التي تخرج عن لائحة المادة 39 و التي يرتكب فيها العامل فعلا و إن لم يرقى إلى مرتبة الخطأ الجسيم إلا أنه يجعل إستمرار العلاقة التبعية بين المشغل و الأجير شبه مستحيل أو حتى مستحيل إذا كان هذا السلوك يمس العمل ذاته أو يمس المشغل أو أحد الأجراء الآخرين.

    ثانيا: الإنهاء لإسباب قانونية أو إتفاقية:

    ‌أ) بطلان أو إبطال عقد الشغل:
    ككل العقود، قد يتعرض عقد الشغل إلى خلل يصيبه في تكوينه فيؤدي بحسب الأحوال إلى بطلانه بطلانا مطلقا أو إبطاله بطلانا نسبيا. فقد يتخلف ركن من الأركان اللازمة لتكوين العقد، يؤدي إلى بطلانه أو قد يشوب رضا أحد الأطراف عيب من العيوب يؤدي إلى إبطال العقد بطلانا نسبيا. و لكن في كلتا الحالتين تكون النتيجة بالنسبة لعقد الشغل هي الإنتهاء.

    ‌ب) إستحالة التنفيذ:
    غالبا ما تنتج إستحالة تنفيذ الإلتزامات المترتبة عن عقد الشغل، عن حالة وفاة الأجير أو القوة القاهرة. فوفاة الأجير تؤدي حتما إلى إنتهاء عقد الشغل بحسب الطابع الشخصي الذي يطبع عقد الشغل، و بالتالي فإن المشغل لا يستطيع أن يلزم ورثة الأجير المتوفي بتنفيد عقد مورثهم، كما لا يستطيع هؤلاء الورثة المطالبة بحلولهم محل هذا الأجير المتوفي، بل في الحالتين يعد عقد الشغل منتهيا.على أن وفاة المشغل لا تؤدي إلى نفس النتيجة، ما لم تكن شخصيته محل إعتبار عند التعاقد، و بالتالي فإن عقد الشغل يظل قائما منتجا لجميع آثاره مع ورثة المشغل المتوفي.
    أما القوة القاهرة كصورة من صور إستحالة التنفيذ المؤدية إلى إنتهاء عقد الشغل، فهي كل حدث لا يستطيع الإنسان توقعه و لا رده، يؤدي إلى إستحالة تنفيذ العقد، ولكن لكي تعتبر كذلك، يجب أن تكون الإستحالة دائمة، أما ذا كانت مؤقتة، فلا يترتب عنها سوى توقف عقد الشغل لا إنتهاءه، توقف يعود بعده إلى إنتاج آثاره.

    ‌ج) إتفاق الأطراف:
    ما دام عقد الشغل كباقي العقود، ينعقد بمجرد توافق إرادتين على أركانه و شروطه، فإن هذه الإرادة المنشئة له، تستطيع كذلك التوافق على إنهاءه و إنهاء كل الآثار المترتبة عليه سواء قبل إنتهاء مدته إذا كان محدد المدة، أو في أي لحظة إذا كان غير محدد المدة.

    ثالثا: الإنهاء لأسباب إقتصادية، هيكلية أو تكنولوجية:

    إذا كانت مدونة الشغل قد حافظت و كرست الأسباب الإقتصادية كمبرر لإنهاء عقد الشغل، إلا أنها أضافت أسباب جديدة مرتبطة بهذا السبب و أسمتها الأسباب الهيكلية أو التكنولوجية.
    و لكن على غرار قانون الشغل لم تعمل على تعريف هذه الأسباب الإقتصادية أو الهيكلية أو التكنولوجية، على عكس ما فعل المشرع الفرنسي في مدونة الشغل التي عرفت على الأقل الفصل لأسباب إقتصادية كالتالي: يعد فصلا لأسباب إقتصادية، كل فصل تم من قبل المشغل لسبب أو أكثرلا علاقة له بشخص الأجير، ناتج عن تخفيض مناصب الشغل أو تحويلها، أو عن تعديلات جوهرية في عقد الشغل ترتبت بالخصوص عن صعوبات إقتصادية أو تحويلات تكنولجية." على أن عدم تعريف المشرع المغربي لها، يؤدي إلى التضارب و الإختلاف حول مدى إتساع أو ضيق نطاق هذه الأسباب، في كل مرة ينشب خلاف أو نزاع بسببها. خصوصا و أن المدونة أضافت في المادة 66 هذه العبارة:  أو ما يماثله  .
    و لكن في كل مرة تقوم أسباب إقتصادية، هيكلية أو تكنولوجية جدية، يصبح من حق المشغل أن يجعل منها مبررا لإنهاء عقد الشغل، ما عليه فقط هو أن يحترم المسطرة الواجبة الإتباع، و أن يمنح التعويضات المستحقة للأجير في هذه الحالة.

    الفقرة الثانية: الأسباب الخاصة لإنتهاء عقد الشغل.

    أولا: أسباب إنتهاء عقد الشغل المحدد المدة:

    عقد الشغل محدد المدة هو العقد الذي يعرف بشكل مسبق متى سينتهي.
    على أن إنتهاء عقد الشغل محدد المدة بشكل طبيعي لا يتصور إلا في الحالتين التاليتين اللتين ذكرتهما المادة 33 من مدونة الشغل:
    - حلول الأجل المحدد للعقد.
    - إنتهاء الشغل الذي كان محلا له.
    و لكونه عقدا محدد المدة، فإن إنتهاءه لا يحتاج إلى مبرر أو سبب مشروع آخر غير إنتهاء المدة أو العمل. ولكن لا يجوز لأحد طرفيه أن ينهيه بإرادته المنفردة قبل حلول أجله أو نهاية العمل.

    ثانيا: أسباب إنتهاء عقد الشغل غير محدد المدة:

    تحدثت المادة 34 من مدونة الشغل عن حالتين ينتهي فيهما عقد الشغل غير محدد المدة، يجمع بينهما أن الإنهاء يتم بإرادة منفردة لأحد طرفي عقـد الشغل. وذ لـك تماشيا مع مبدأ كون القانون لا يقر قيام علاقات تعاقدية مؤبدة.
    على أنه إذا تم إنهاء العقد غير محدد المدة من قبل المشغل بإرادته المنفردة، فإنه يسمى الفصل، أما إذا كان الإنهاء من قبل الأجير بإرادته المنفردة، فإنه يسمى الإستقالة. و لكن في الحالتين يظل إنهاء للعقد بالإرادة المنفردة.
    لكن في جميع الحالات لا يجب أن يكون الحق في إنهاء عقـد الشغل الغير محدد المدة، حقا مطلقا. فبالإضافة إلى ضرورة إتباع المسطرة الواجبة بمقتضى القانون، يجب عدم التعسف في إستعمال حق الإنهاء.

    المطلب الثاني: الإنهاء غير المبرر.

    بعد ما نصت المادة 35 من المدونة على أنه يمنع فصل الأجير دون مبرر مقبول، جاءت المادة 36 من نفس المدونة لتحدد الحالات التي لا تعد مبررات مقبولة للفصل من الشغل و هي:

     الإنتماء النقابي أو ممارسة مهمة الممثل النقابي.
     المساهمة في أنشطة نقابية خارج أوقات الشغل، أو أثناء تلك الأوقات، برضى المشغل أو عملا بمقتضيات إتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي.
     طلب الترشيح لممارسة مهمة مندوب الإجراء، أو ممارسة هذه المهمة، أو ممارستها سابقا.
     تقديم شكوى ضد المشغل أو المشاركة في دعاوى ضده في نطاق تطبيق مقتضيات هذا القانون
     العرق، اللون، الجنس، الحالة الزوجية، المسؤوليات العائلية ، الرأي السياسي، الأصل الوطني، الأصل الإجتماعي .
     الإعاقة، إذا لم يكن من شأنها أن تحول دون أداء الأجير المعاق لشغل يناسبه داخل المقاولة.

    إذن في جميع الحالات السابقة ، إذا قام المشغل بفصل الأجير بناء على أحد الأسباب المذكورة، عد هذا الفصل، فصلا غير مبرر. و لكن رغم أن المشرع تحدث في هذه المادة عن المنع، إلا أنه لم يصاحب هذا المنع بأي جزاء كما لم يعتبره فصلا تعسفيا ما دام قد تحدث عن هذا الأخير في فصول خاصة. و لكن في نظرنا أن الفصل في هذه الحالات لا يمكن أن يكون جزاءه إلا البطلان، و بالتالي يعد الإنهاء كأن لم يكن، و يعاد العامل إلى عمله، و لا يعد فصلا تعسفيا يستوجب التعويض المخصص له إلا إذا رفض المشغل إعادة العامل المفصول بناءا على أحد الأسباب غير المبررة للفصل المذكورة في المادة 36.

    المطلب الثالث: الإنهاء التعسفي لعقد الشغل.

    يعد الإنهاء التعسفي لعقد الشغل أحد المفاهيم التي يعود الفضل في إبتكارها إلى الإجتهاد القضائي، فلا قانون الشغل و لا مدونة الشغل إستطاعا أن يقدما تعريفا له يميزه عن الإنهاء غير المبرر مثلا. ولكن المدونة تحدثت أحيانا عن بعض الحالات التي إذا فصل الأجير فيها، عد فصلا تعسفيا، كما تحدثت عن الآثار الناجمة عن الفصل التعسفي أحيانا أخرى، و هو الأمر الذي يعد من التجديدات المهمة التي أتت بها هذه المدونة.
    و عموما يعد إنهاءا تعسفيا لعقد الشغل، كل إنهاء لا ينبني على أحد الأسباب أو المبررات المذكورة أعلاه. وهي الحالة التي يتحدث عنها الفصل 41 من المدونة.
    ولكن يعد أيضا إنهاءا تعسفيا، مغادرة الأجير لشغله بسبب أحد الأخطاء الجسيمة الواردة في المادة 40 في حالة ثبوت إرتكاب المشغل لإحداهما.
    كما يعد إنهاءا تعسفيا، كل إنهاء مهما كان سببه يتطلب القانون مسطرة معينة لإتمامه، لم يتم فيه إحترام هذه المسطرة.

    المحور الثاني : مساطر إنهاء عقد الشغل

    ليس هناك مسطرة واحدة، يجب دائما إتباعها لإنهاء عقد الشغل، بل هناك عدة مساطر تختلف بإختلاف أنواع عقد الشغل كما بإختلاف الأسباب المؤدية لهذا الإنهاء. بل أن هناك حالات لا يحتاج فيها إنهاء عقد الشغل إلى إتباع أي مسطرة من أي نوع.

    المطلب الأول: مساطر الإنهاء بناء على نوع عقد الشغل.

    على هذا المستوى نفرق بين عقد الشغل المحدد المدة و بين عقد الشغل غير محدد المدة.

    الفقرة الأولى: مسطرة إنهاء عقد الشغل محدد المدة.

    عندما تطرقت المادة 33 من مدونة الشغل إلى إنهاء عقد الشغل المحدد المدة، لم تبين أية مسطرة يجب إتباعها قبل مباشرة هذا الإنهاء، و إن كان الأمر يتعلق في الحقيقة بإنتهاء طبيعي و ليس إنهاء، بمعنى إنتهاء للعقد بإنتهاء مدته المحددة سلفا أو بإنتهاء الشغل الذي كان محلا له. و بالتالي، فإنه من الناحية النظرية، لا يحتاج الأمر لأي مسطرة من أجل الإنتهاء ما دام قد تم بشكل طبيعي. إلا أنه من الناحية العلمية لا يخلوالأمر من بعض الصعوبات لإثبات الإنتهاء الفعلي لهذا العقد و بالتالي إنفصام العلاقة الشغلية بين الأجير و المشغل. أو إستمرار هذه العلاقة و بالتالي تجديد العقد ضمنيا. لذلك و رفعا لكل لبس جرت العادة في عرف العلاقات الشغلية أن يشعر المشغل الآجير بإنتهاء العقد الذي يربطهما و ذلك قبل مدة كافية من تاريخ هذا الإنتهاء، و لا نحسب أنها يمكن أن تكون أقل من مدة الإخطار المحددة في المادة 43 من مدونة الشغل. أو إشعاره بالرغبة في إستمرار العلاقة الشغلية التي تربطهما، و ذ لك حتى يرتب الأجير أوضاعه وفق الحالة التي سيؤول إليها عقده، الإنتهاء أو التجديد.
    الفقرة الثانية: مسطرة إنهاء عقد الشغل غير محدد المدة.

    عقد الشغل غير محدد المدة قد ينتهي بمبادرة من الأجير، و في هذه الحالة يتعلق الأمر بالإستقالة، كما قد ينتهي بمبادرة من المشغل و هنا نكون أمام فصل الأجير.

    أولا: حالة إستقالة الأجير:

    لكي ينهي الأجير عـقـد شغله غير محدد المدة و يستقيل يجب أولا أن يقدم إستقالته مكتوبة، على أن الكتابة هنا لم يذكرها نص المادة 34 صراحة، و لكن، نفس المادة تشترط أن تكون الإستقالة موقعة من قبل الأجير، ولا يمكن توقيع شيئ غير مكتوب، بل أكثر من ذلك، المادة 34 تشترط أيضا أن تتم المصادقة على صحة الإمضاء الموضوع فوق الإستقالة من قبل الجهات المختصة و بالتالي يتعلق الأمر هنا في الحقيقة بثلاثة شروط شكلية يجب توفرها في إستقالة الأجير الذي يريد إنهاء عـقـد شغله غير محدد المدة و هي: الكتابة، التوقيع، تصحيح الإمضاء.
    أما الشرط الموضوعي الوحيد الذي تتطلبه إستقالة الأجير فهو إحترام الأحكام الواردة في المادة 43 من مدونة الشغل، و المتعلقة بأجل الإخطار. أي أن الأجير ملزم قبل إنهاء عـقـده غير محدد المدة بأن يخطر المشغل برغبته في الإستقالة بشكل مسبق أي بمدة كافية لكي يتـدبر هذا المشغل أمره ليبحث عن من يعوض هذا الأجير أو لكي يعكف على تصفية كل الحسابات التي بقيت عالقة بينه و بين هذا الأجير، على أنه في جميع الأحوال لا يجب أن تقل هذه المدة عن 8 أيام، ولا يلزم الأجير بإحترام أجل الإخطار إذا كان السبب الذي دفعه إلى الإستقالة هو إرتكاب المشغل أحد الأخطاء الجسيمة المنصوص عليها في المادة 40 من مدونة الشغل، كما لا يلزم بإحترام هذا الأجل إذا كان سبب إنهاء العقد هو القوة القاهرة وذلـك بمقتضى المادة 43 من المدونة على أنه إذا تعلق الأمر بالأم الأجيرة التي قررت عدم إستئناف شغلها بعد فترة توقف سريان عقد شغلها بسبب الولادة، أي قررت الإستقالة و إنهاء عقد شغلها، فإنها تكون ملزمة بأن توجه إلى مشغلها قبل إنتهاء فترة توقف عقدها بخمسة عشر يوما على الأقل، رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل، تشعره فيها بأنها لن تستأنف شغلها بعد إنتهاء مدة التوقف المذكورة في المادة 156 من مدونة الشغل، و لا يلزمها في ذلك مراعاة أجل الإخطار المنصوص عليه في المادة 43 من المدونة. لإن مدة الخمسة عشر يوما المذكورة في المادة 157 من المدونة، تشكل مدة إخطار فعلية و إن لم تكن قانونية.
    كما يمكن بحسب المادة 158 للأجيرة الحامل التي أثبثث حملها بشهادة طبية، أن تترك شغلها و تنهي عقدها دون أن تضطر إلى إحترام مسطرة الإخطار.

    ثانيا: حالة فصل الأجير:

    إذا تم إنهاء عقد الشغل غير المحدد المدة بإرادة المشغل، فإن هذا الأخير يكون ملزما في جميع الحالات بإحترام أجل الإخطار وذلك بحسب المادة 34 من المدونة ما لم يتعلق الأمر بخطأ جسيم إرتكبه الأجير، حيث في هذه الحالة يستطيع المشغل فصل الأجير من الشغل دون مراعاة أجل الإخطار تطبيقا لنص المادة 43 و نص المادة 61 من مدونة الشغل.
    وأجل الإخطار بإعتباره المسطرة الوحيدة التي يجب على المشغل أن يحترمها عندما يريد فصل الأجير و بالتالي إنهاء عقد شغله غير المحدد المدة، هي تلك المدة التي تفصل بين تاريخ تبليغ الأجير من قبل المشغل برغبة هذا الأخير في إنهاء العقد الذي يربط بينهما و بين التاريخ الذي حدد لإعتبارهذا العقد منتهيا. فالمادة 43 من المدونة تقضي بأن هذا الأجل و تنظيمه يتم بمقتضى النصوص التشريعية أو التطبيقية أو عقد الشغل أو إتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي أو العرف. ويكون باطلا بقوة القانون، كل شرط في عقد الشغل أو إتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي أو العرف يحدد أجل الإخطار في مدة تقل عما حددته النصوص التشريعية أو التطبيقية. و في جميع الأحوال يكون باطلا كل شرط يحدد أجل الإخطار في أقل من ثمانية أيام يبدأ سريانها في اليوم الموالي لتبليغ قرار إنهاء العقد. ولكن يجب على المشغل كما على الأجير أن يحترما جميع إلتزاماتهما المتبادلة المترتبة عن العقد الذي يربط بينهما.
    و خلال أجل الإخطار يستفيد الأجير من رخصة تغيب قصد البحث عن شغل آخر، على أن يؤدى له عنها الأجر الذي يتقاضاه عن أوقات شغله الفعلي أيا كانت طريقة أدائه، و تتحدد مدة الغياب المسموح له بها في: ساعتين في اليوم أو ثماني ساعات في الأسبوع الواحد أو ثلاثين ساعة في كل فترة من ثلاثين يوما متوالية.أما إذا كان الأجير يشتغل في مقاولة أو مؤسسة، أو ورش يبعد مسافة تفوق عشر كيلومترات عن مدينة مصنفة في عداد البلديات أمكن له التغيب اربع ساعات متتالية مرتين في الأسبوع، أو ثماني ساعات متتالية مرة في الأسبوع، خلال الساعات المخصصة للشغل في المقاولة أو المؤسسة أو الورش. وذ لـك بحسب المواد 44، 47، 48، 49 من مدونة الشغل.
    وينتهي حق الأجير في التغيب خلال أجل الإخطار بمجرد حصوله على شغل جديد، أوإذا توقف الأجير عن تخصيص فترات تغيبه للبحث عن شغل وذلك بمقتضى المادة 50 من مدونة الشغل.
    أما إذا تعلق الأمر بأجيرة ثبت حملها بشهادة طبية، فإن المشغل لا يستطيع فصلها سواء أثناء الحمل أو بعد الوضع بأربعة عشر أسبوعا. كما لا يستطسع المشغل إنهاء عقد شغل الأجيرة أثناء فترة توقفها عن الشغل بسبب نشوء حالة مرضية عن الحمل أو النفاس ثبتت بشهادة طبية ما لم ترتكب خطأ جسيما، و في هذه الحالة لاتبلغ الأجيرة بقرار الإنهاء أثناء فترة عقد الشغل، بل يجب إنتظار إنتهاء فترة التوقف. لإن هذا الإنهاء لا يكون له أي أثر خلال تلـك الفترة بحسب المادة 159 من مدونة الشغل. أما إذا تم تبليغ الأجيرة بقرار فصلها قبل أن تثبت حملها بشهادة طبية، أمكن لها، في أجل خمسة عشر يوما من إبلاغها قرار الفصل إثبات حملها بواسطة شهادة طبية، توجهها إلى المشغل برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل، و يصبح الفصل نتيجة لذ لك باطلا.

    المطلب الثاني: مساطر الإنهاء بناء على سببه.

    تختلف المساطر الواجب إتباعها لإنهاء عقد الشغل بإختلاف الأسباب التي أدت إلى هذا الإنهاء. فهناك مساطر تتعلق بالإنهاء لأسباب شخصية. و أخرى تتعلق بالإنهاء لأسباب موضوعية.

    الفقرة الأولى: مساطر الإنهاء بناء على أسباب شخصية

    يتعلق الأمر هنا بحالتين حددت لهما المدونة نفس المسطرة و يتعلق الأمر بمساطر الإنهاء لأسباب تاديبية أو بسبب إرتكاب الأجير لخطأ جسيم.
    بداية نشير إلى أن المادة 61 من المدونة بقولها يمكن فصل الأجير من الشغل دون مراعات أجل الإخطار ... عند إرتكابه خطأ جسيما قد توحي بأن المشرع قد أعفى المشغل من إتباع أية مسطرة لفصل الأجير في هذه الحالة ما دام إحترام أجل الإخطار هو المسطرة الوحيدة التي رأيناها حتى الآن إلا أنه بقراءة المواد 62 و 63 و64 و65 من نفس المدونة يتضح أن هذه الأخيرة قد وضعت مسطرة خاصة يجب إتباعها قبل فصل الأجير لأسباب تأديبية أو بسبب إرتكابه لخطأ جسيم.
    فـقـبل فصل الأجير، يجب أن تتاح له فـرصة الـد فاع عن نفـسه بالإستماع إليه من طرف المشغل أو من ينوب عنه بحضور مندوب الإجراء أو الممثل النقابي بالمقاولة الذي يختاره الأجير نفسه وذ لك داخل أجل لا يتعدى ثمانية أيام إبتداء من التاريخ الذي تبين فيه إرتكاب الفعل المنسوب إليه. و يجب تحرير محضر في الموضوع من قبل إدارة المقاولة، يوقعه الطرفان و تسلم نسخة منه إلى الأجير. و في حالة رفض أحد الطرفين إجراء أو إتمام هذه المسطرة، يحق للطرف الثاني اللجوء إلى مـفـتش الشغل للـقـيام بالأمر. أما إذا تم إنهاء المسطرة، فإن مقـرر العقـوبات التأديبية أو مقرر الفصل، يسلم إلى الأجير المعني بالأمر يدا بيد مقابل وصل أو بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل داخل أجل ثمانية وأربعين ساعة من تاريخ إتخاد المقرر. كما يجب أن توجه نسخة من مقرر الفصل أو رسالة الإستقالة إلى العون المكلف بتفتيش الشغل. و أن يتضمن مقرر فصل الأجير الأسباب المبررة لإتخاذه و تاريخ الإستماع إليه، مرفقا بالمحضر المذكور.
    وفي حالة منازعة الأجير في هذا المقرر، وجب عليه رفع دعـوى الفصل أمام المحكمة المختصة في أجل تسعين يوما من تاريخ توصل الأجير بمقرر الفصل. على أن المحكمة لا يمكنها أن تنظر إلا في الأسباب الواردة في مقرر الفصل و ظروفه، و ليس في أسباب أخرى قد يدلي بها المشغل بعد ذلك أو ظروف أخرى قد يدفع بها الأجير.
    و في جميع الأحوال يقع عبء إثبات وجود مبرر مقبول للفصل على عاتق المشغل، كما يقع عليه عبء الإثبات عندما يدعي مغاد رة الأجير لشغله.

    الفقرة الثانية: مساطر الإنهاء بناء على أسباب موضوعية.

    و نقصد هنا بالأسباب الموضوعية: الأسباب الإقتصادية أوالهيكلية أو ما يماثلها أوالتكنولوجية من جهة ومن جهة أخرى الإضطرار إلى إغلاق المقاولة. عندما تكون مبررا لإنهاء عقد الشغل. فلقد حددت المدونة من خلال المواد: 66، 67، 68، 69، المساطر التي يتوجب إتباعها قبل البدأ في إنهاء عقود الشغل لأسباب تكنولوجية، إقتصادية أو هيكلية في حالة إغلاق المقاولة.
    فالمادة 66 توجب على المشغل في المقاولات التجارية أو الصناعية أو في الإستغلالات الفلاحية أو توابعها، أو في مقاولات الصناعة التقليدية التي تشغل اعتياديا عشرة أجراء أو أكثر، أن يبلغ مندوبي الأجراء و الممثلين النقابيين بالمقاولة بإعتزامه على فصل الأجراء كلا أو بعضا، لأسباب تكنولوجية أو هيكلية أو ما يماثلها أو لأسباب إقتصادية. و ذلك قبل شهر واحد على الأقل من تاريخ الشروع في مسطرة الفصل. و أن يزودهم في نفس الوقت بالمعلومات الضرورية التي لها علاقة بالموضوع، بما فيها أسباب الفصل، و عدد وفئات الأجراء المعنيين، و الفترة التي يعتزم فيها الشروع في الفصل.
    كما يجب عليه أيضا إستشارتهم و التفاوض معهم من أجل تدارس الإجراءات التي من شأنها أن تحول دون الفصل، أو تخفف من آثاره السلبية، بما فيها إمكانية إعادة الإدماج في مناصب شغل أخرى أو تخفيض ساعات العمل و بالتالي إنقاص الأجور.
    أما إذا كانت المقاولة تضم عدد من الأجراء يفوق خمسين أجيرا، فإن لجنة المقاولة تحل محل مندوبي الأجراء أو الممثلين النقابيين.
    الأمر الذي يعني أن هذا السبب لا يمكن أن يشكل مبررا مقبولا لفصل أجير واحد، بل يتعلق بالفصل الجماعي لمجموعة من الأجراء أو كلهم، على أن السبب الإقتصادي كان مبررا كافيا في القانون القديم كما في القانون الفرنسي الحالي، لفصل أجير واحد. ثم أن نطاق هذا السبب يبدو جد متسع ما دام يشمل الأسباب التكنولوجية أو الهيكلية أو مايماثـلهما أو الاقتصادية و ينطبق على جميع مجالات النشاط الإنساني، بما فيها، التجارة، الصناعة، الفلاحة، الصناعة التقليدية.
    عموما، يجب على إدارة المقاولة أن تحرر محضرا تدون فيه نتائج المشاورات و المفاوضات المذكورة أعلاه، يوقعه الطرفان و تسلم نسخة منه لمندوبي الإجراء، و توجه نسخة أخرى إلى المندوب الإقليمي المكلف بالشغل. كما يجب على المشغل، أن يتقدم بطلب الحصول على الإذن بالفصل إلى نفس هذا المندوب الإقليمي المكلف بالشغل وأن يرفق طلبه بجميع الإثباتات الضرورية و بمحضر المشاورات و التفاوض مع ممثلي الإجراء.
    وفي حالة الفصل لإسباب إقتصادية، يكون الطلب مرفقا، علاوة على الوثائق المذكورة، بالإثباتات التالية:
    - تقرير يتضمن الأسباب الإقتصادية التي تستدعي تطبيق مسطرة الفصل
    - بيان حول الوضعية الإقتصادية و المالية للمقاولة.
    - تقرير يضعه خبير في المحاسبة في المقاولات التي يلزمها القانون بتعيين مراقب في الحسابات، و يضعه مراقب في الحسابات في المقاولات التي يلزمها القانون بتعيينه.
    كما يجب على المندوب الإقليمي المكلف بالشغل أن يجري كل الأبحاث التي يعتبرها ضرورية قبل أن يوجه الملف، داخل أجل لا يتعدى شهرا واحدا من تاريخ توصله بالطلب، إلى أعضاء لجنة إقليمية يرأسها عامل العمالة أو الإقـليم لدراستها و البث فيها في أجل أقصاه شهران من تاريخ تقـد يم الطلب من طرف المشغل إلى المندوب الإقـليمي المكلف بالشغل، الأمر الذي يعني أن السقف الزمني الذي تستغرقه مسطرة الفـصل للأسباب المذكورة لا يجب أن يتعدى ثلاثة أشهر تدخل فيها فترة الشهر التي يجب فيها على المشغل أن يبلغ ممثلي الأجراء و يتشاور معهم بخصوص أمر الفـصل. بعد مرور هذه الفترة يجـب لكي يستطيع المشغل أن يباشر الفصل أن يحصل على إذن يسلمه عامل العمالة أو الإقليم يصدره بقرار معلل و مبني على الخلاصات و الإقتراحات التي توصلت إليها اللجنة التي تتكون من ممثلين عن السلطات الإدارية المعنية و ممثلين عن المنظمات المهنية للمشغلين و المنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلا.
    و هي نفس المسطرة التي يجب إتباعها إذا كان المشغل ينوي إغلاق المقاولة كليا أو جزئيا بناء على أسباب تكنولوجية أو هيكلية أو لما يماثلها أولأسباب إقتصادية وذلـك حتى يكون فصل الأجراء الذي يستتبع الإغلاق مبررا. ولكن لا يسمح بإغلاق المقاولة كليا أو جزئيا، لأسباب غير الأسباب المذ كورة، إذا كان سيؤدي إلى فصل الأجراء، إلا في الحالات التي يستحيل معها مواصلة نشاط المقاولة، و بناء على إذن يسلمه عامل العمالة أو الإقليم طبقا لنفس المسطرة المذكورة أعلاه.

    المحور الثالث: آثــار إنــهاء عـقـد الشـغـل

    مقدمة:

    إذا إنتهى عقد الشغل لأي سبب من الأسباب التي وضحناها سابقا، و سواء تم إحترام المساطر القانونية الواجب إتباعها أو لم يتم إحترامها، فإن الرابطة القانونية التي كانت تحكم علاقة الأجير بالمشغل بمقـتضى العقـد تنتهي. و لكن هذا الإنتهاء يرتب آثارا تختلف بحسب ما إذا كان سببه مبررا أو غير مبرر و بحسب ما إذا تم إحترام المساطر القانونية أو لم يتم إحترامها. كما أن هذه الآثار منها ما هو عام ينطبق في جميع حالات الإنهاء و منها ما هو خاص بكل حالة على حدة.

    المطلب الأول: الآثـار المشتـركة لإنهاء عـقـد الشغل.

    إذا إنتهى عـقـد الشغل و فـصمت العلاقة التي تربط الأجير بالمشغل، فإن هناك من الآثـار التي تنجم عن هذا الإنتهاء لا تتوقف سوى على كون أن هذا الإنتهاء قد تم و حصل بغض النظر عن السبب الذي أدى إليه. و تتلخص هذه الآثار أولا في ضرورة أن يسلم المشغل شهادة شغل للأجير و ثانيا أن يسلم هذا الأجير توصيلا لتصفـية كل حساب للمشغل و ثالثا أن يخلي الأجير السكن الوظيفي إذا كان يتمتع به و رابعا أن يتسلم الأجير تعويضا عن عدم التمتع بالعطلة السنوية المؤدى عنها.

    الفقرة الأولى: شهادة الشغل.

    ألزمت المادة 72 من مدونة الشغل على المشغل عند إنتهاء عقد الشغل أن يسلم الأجير شهادة شغل داخل أجل أقـصاه ثمانية أيام وذ لك تحت طائلة أداء تعوض.
    و يجب أن يقـتصر في شهادة الشغل، على ذكر تاريخ إلتحاق الأجير بالمقاولة و تاريخ مغادرته لها، و مناصب الشغل التي شغلها. و مع ذ لك يمكن للطرفين، أن يتفقا على تضمين شهادة الشغل بيانات أخرى تتعلق بالمؤهلات المهنية للأ جير و ما أسداه من خدمات للمقاولة. وعـموما كل بيان آخـر شريطة أن لا يكون مضرا بالأجير.
    مع ملاحظة أن شهادة الشغل تعفى من رسوم التسجيل و لو إشتملت على بيانات أخرى غير تلك الواردة في الفقرة الثانية أعلاه. و يشمل الإعفاء الشهادة التي تتضمن عبارة حر من كل إلتزام أو أي صياغة أخرى تثبت إنهاء عقـد الشغل بصفة طبيعية.

    الفقرة الثانية: توصيل تصفية كل حساب.

    التوصيل عن تصفية كل حساب هو التوصيل الذي يسلمه الأجير للمشغل، عند إنهاء العقـد لأي سبب كان، وذ لك قـصد تصفـية كل الآداءات تجاهه.
    و بحسب المادة 73 من مد ونة الشغل، يعتبر باطلا كل إبراء أو صلح، طبقا للفصل 1098 من قانون الإلتزامات و العقود، يتنازل فيه الأجير عن أي أداء وجب لفـائدته بفعل تنفـيذ العقـد أو بفعل إنهاءه.
    و يجب تحت طائلة البطلان، أن يتضمن توصيل تصفية كل حساب، البيانات التالية:
     المبلغ المدفوع بكامله قصد التصفية النهائية للحساب، مع بيان مفصل للآداءات.
     أجل سقوط الحق المحدد في ستين يوما، مكتوبا بخط واضح تسهل قراء ته.
     الإشارة إلى كون التوصيل محررا في نظرين يسلم أحدهما للأجير.
    و يجب أن يكون توقيع الأجير على التوصيل مسبوقا بعبارة قرأت و وافقت .
    أما إذا كان الأجير أميا، فيجب أن يكون توصيل تصفية كل حساب موقعا بالعطف من قبل العون المكلف بتفتيش الشغل، في إطار الصلح.
    على أنه يمكن التراجع عن التوصيل من قبل الأجير خلال الستين يوما التالية لتوقيعه.
    و لكن يجب إثبات هذا التراجع بإحدى الوسيلتين: إما إبلاغ المشغل بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل، أو برفع دعوى لدى المحكمة. ولا يعتد بالوسيلة المثبتة للتراجع، إلا إذا حدد فيها الأجير مختلف الحقوق التي ما زال متمسكا بها.
    و في جميع الحالات لا يعتد بالتوصيل الذي وقع التراجع عنه بصفة قانونية أو الذي لا يمكن أن يسري عليه أجل السقوط إلا بإعتباره مجرد توصيل بالمبالغ المبينة فيه. وذ لـك لإن الإبراء أو الصلح يعتبر بمقتضى الفصل 1098 من قانون الإلتزامات و العقود مجرد وثيقة بالمبالغ المبينة فيها.

    الفقرة الثالثة: التعويض عن عدم التمتع بالعطلة السنوية المؤدى عنها.

    بحسب المادة 231 من مدونة الشغل، يستحق الأجير، كل أجير، قضى ستة أشهر متصلة من الشغل في نفس المقاولة أو لدى نفس المشغل، عطلة سنوية مؤدى عنها، تتحدد مدتها على النحو التالي:
     يوم و نصف يوم من أيام الشغل الفعلي عن كل شهر من الشغل.
     يومان من أيام الشغل الفعلي عن كل شهر من الشغل، فيما يتعلق بالأجراء الذين لا يتجاوز سنهم الثامنة عشرة.
    ولأن الأجير يستحق أثناء عطلته السنوية المؤدى عنها، تعويضات يساوي ما كان سيتقاضاه لو بقي في شغله، فإنه إذا أمضى ما لا يقل عن ستة أشهر متتابعة في خدمة مقاولة واحدة أو مشغل واحد، ثم أنهى عقد شغله دون الإستفادة من عطلته السنوية المؤدى عنها بكاملها، أو عند الإقتضاء، العطل السنوية المؤدى عنها المستحقة له عن السنتين المنصرفتين، وجب له تعويض عن عدم التمتع بالعطلة السنوية المؤدى عنها، أو عن أقساط العطل السنوية المؤدى عنها التي لم يستفد منها.
    و بمقتضى المادة 251 من مدونة الشغل، يعد كل جزء من شهر الشغل الذي بدأه الأجير، شهرا كاملا من الشغل، يجب مراعاته عند إحتساب مبلغ التعويض عن العطلة السنوية المؤدى عنها. و هـو التعويض الذي يساوي حسب الأحوال يوما ونصف يوم أو يومين عن شهر أتمه في الشغل، وذلـك إذا ثبت أنه إشتغل لدى نفس المشغل، أو في نفس المقاولة فترة تساوي على الأقل شهر من الشغل وذلك بحسب المادة 252 من مدونة الشغل.
    و يجب أن يؤدى التعويض عن العطلة السنوية المؤدى عنها، في أجل أقصاه اليوم الذي يتسلم فيه الأجير الذي أنهى عقده، آخر أجر له (م. 260) ويستفيد الأجير، خلافا لمقتضيات الفصل 1248 من قانون الإلتزامات و العقود من إمتياز الرتبة الأولى المقرر في الفصل المذكور، قصد إستيفاء ماله من تعويض عن العطلة السنوية المؤدى عنها، أو تعويض عن عـدم الـتمتع بها.

    المطلب الثاني: الآثار الخاصة بكل حالة من حالات الإنهاء.

    مقدمة:

    رأينا أن عقد الشغل إذا إنتهى، فإن هذا الإنهاء تنتج عنه مجموعة من الآثار العامة المشتركة في جميع حالات الإنهاء و مهما كانت أسبابه. إلا أنه هناك آثار أخرى تختلف بإختلاف السبب الذي أدى إلى إنتهاء عقد الشغل. على أن هذه الآثار كلها تتلخص في ما يسمى التعويض. و هذا التعويض هو الذي يختلف في عناصره و طرق إحتسابه بحسب كل حالة على حدة. وعموما يمكن أن نجمل أنواع التعويضات التي قد يستحق الأجير المفصول من شغله كلها أو بعضها في التالي:
     التعويض عن أجل الإخطار المحدد في المادة 43 من مدونة الشغل.
     التعويض عن الفصل المحدد في المادة 52 من نفس المدونة.
     التعويض عن الضرر المحدد في المادة 41 من مدونة الشغل
     التعويض عن فقدان الشغل المحدد في المواد 53 و 59 من نفس المدونة.

    أولا: في حالة توقف عقد الشغل:

    سبق أن رأينا أن توقف عقد الشغل لا ينهيه و إنما يوقف إنتاج آثاره إلى حين زوال سبب توقفه، لـذلك فإن الأجير لا يستحق مبدأيا أي تعويض عن توقف عقده، كما لا يستحق الأجر بداهة ما دام الأجر هو مقابل العمل. و لكن بعد زوال سبب توقف العقد يستحق الأجير الرجوع إلى عمله، و يكون هذا الرجوع إلزاميا إذا كان توقف العقد يعود لإحد الأسباب المذكورة في المادة 32 من مدونة الشغل

    ثانيا: في حالة العقد المحدد المدة:

    إذا كان إنتهاء العقد المحدد المدة يعود لإنتهاء أجله أو تنفيذ موضوعه فإن الأجير لا يستحق أي تعويض.
    أما إذا كان إنهاء عقد الشغل المحدد المدة قد تم من قبل أحد طرفيه، قبل حلول أجله فإن الطرف الثاني يستحق تعويضا مالم يكن الإنهاء مبررا بصدور خطأ جسيم من الطرف الآخر أو ناشـئا عن قوة قاهرة.
    و يعادل التعويض المذكور، مبلغ الأجور المستحقة عن الفترة المتراوحة ما بين تاريخ إنهاء العقد و الأجل المحدد له.

    ثالثا: في حالة العقد غير المحدد المدة:

    الأجير المرتبط بعقد شغل غير محدد المدة يستحق تعويضا عن أجل الإخطار إذا لم يتم إحترامه يعادل الأجر الذي كان من المفروض أن يتقاضاه الأجير، لو إستمر في أداء شغله. كما يستحق تعويضات عن فصله بعد قضاءه ستة أشهر من الشغل داخل نفس المقاولة بصرف النظر عن الطريقة التي يتقاضى بها أجره و عن دورية أداءه. و يعادل مبلغ التعويض عن الفصل عن كل سنة أو جزء من السنة من الشغل الفعلي ما يلي:

    مدة الأ قـد مـية مبلغ التعـويض
    - فيما يخص الخمس سنوات الأولى من الأقدمية
    - فيما يخص فترة الأقدمية المتراوحة بين السنة 6 و 10
    - فيما يخص الأقدمية المتراوحة بين السنة 11 و 15
    - فيما يخص مدة الأقدمية التي تفوق السنة 15 96 ساعة من الأجرة
    144 ساعة من الأجرة

    192 ساعة من الأجرة

    24ساعة من الأجرة

    على أنه يمكن النص في عقد الشغل أو إتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي على مقتضيات أكثر فائدة للأجير.
    و يقدر التعويض المذكورأعلاه على أساس معدل الأجور المتقاضاة خلال الأسابيع الإثنين والخميس السابقة لتاريخ الإنهاء. دون أن يكون الأجر المعتمد لتقـدير التعويض عن الفصل، أقل من الحد الأدنى القانوني للأجر

    رابعا: في حالة الإنهاء التعسفي:

    أما إذا كان الإنهاء تعسـفـيا أي تم لسبب غير مشروع و لكن تم إحترام مهلة الإخطار، فإن الأجير يستحق التعويض عن الضرر المنصوص عليه في المادة (41) يحدد مبلغه على أساس أجر شهر و نصف عن كل سنة عمل أو جزء من السنة على أن لا يتعدى 36 شهرا. بالإضافة إلى التعويض عن فقدان الشغل المنصوص عليه في الفصل 59 من المدونة و الذي سيتحدد مقداره في ما بعد بواسطة نص تنظيمي. و لكن قبل ذ لـك يجوز اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي من أجل الرجوع إلى الشغل أو الحصول على تعويض، و يعتبر الإتفاق الذي تم التوصل إليه في إطار الصلح التمهيدي نهائيا و غير قابل للطعن أمام المحاكم.
    وإذا كان الإنهاء تعسفيا و لم يتم إحترام مهلة الإخطار، فإن الأجير يستحق التعويض عن الضرر المنصوص عليه في المادة 41 من المدونة و التعويض عن مهلة الإخطار المنصوص عليه في المادة 51 من نفس المدونة، كما يستفـيد من التعويض عن فقدان الشغل المذكور في المادة 59 من المدونة.

    خامسا: حالة الفصل لأسباب تأد يبـية:

    إذا فصل الأجير من الشغل بسبب إرتكابه لخطأ جسيم، فإنه لا يستحق إي تعويض عن الفصل ولا أي تعويض عن الضرر ولا يلزم المشغل بإحترام مهلة الإخطار و لا التعويض عنها.
    لكن يجب أن يتم الفصل لأحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 39 من المدونة أو لما يماثلها،لأن اللائحة الواردة في هذه المادة جاءت على سبيل المثال و ليس الحصر بدليل إستعمال عبارة تعتبر بمثابة أخطاء جسيمة.

    ساد سا: حالة إنهاء العقد تعسفيا من قبل الأجير للتعاقد مع مشغل آخر:

    إذا كان الأجير هو من أنهى العقد لكي يتعاقد مع مشغل جديد، فإن هذا المشغل الجديد يصبح مسؤولا مع الأجير بصفة تضامنية عن تعويض المشغل الأول إذا ثبت:

    - أن المشغل الجديد تدخل من أجل إخراج الأجير من شغله.
    - إذا شغل الأجير مع علمه أنه مرتبط بعقـد شغل
    - إذا إستمر في تشغيل الأجير بعد أن علم أنه ما زال مرتبطا بمشغل آخر بعقد شغل( المادة 42 من مدونة الشغل)
    أما إذا كان الأجير هو من أنهى العقد تعسفيا، فإن المشغل يستحق التعويض عن الضرر تحدده المحكمة بناء على عناصرالضررالمحددة في المسؤولية العقدية، و ليس بالطريقة المذكورة في المادة 41 من المدونة، لأن تلـك الطريقة خاصة بتعويض الأجير

    سابعا: حالة إنهاء العقد أثناء فترة الإختبار:

    من الناحية المبدأية و بحسب المادة 13 من المد ونة، لا يستحق الأجير أي تعويض عن فصله أثناء فترة الإختبار ولا أي تعويض عن مهلة الإخطار. غير أنه إذا قضى الأجير أسبوعا في الشغل على الأقل، فإنه لا يمكن إنهاء العقد وفصل الأجير إلا بعد منحه أجل إخطار، ما لم يرتكب هذا الأجير خطأ جسيما.
    فإذا تم إحترام هذا الأجل، فإن الأجير لا يستحق أي تعويض عنه، أما إذا لم يتم إحترامه، فإن الأجير يستحق التعويض عن مهلة الإخطارالمحد د في المادة 51 من المدونة.

    ثامنا: حالة الفصل لأسباب تكنولوجية أو هيكلية أو إقـتصادية:

     إذا تم الفصل بعد إحترام المسطرة والحصول على إذن، فإن الأجير يستحق التعويض عن أجل الإخطار و التعويض عن الفصل المنصوص عليهما في المواد 51 و 52 من المدونة كما يستحق التعويض عن فقدان الشغل المنصوص عليه في المادة 53 من نفس المدونة.
     أما إذا تم الفصل بدون الحصول على الإذن المطلوب، فإن الأجير يستحق التعويض عن مهلة الإخطار و التعويض عن الفصل، و التعويض عن فقدان الشغل، أما التعويض عن الفصل التعسفي المنصوص عليه في المادة 41 ، فإن الأجير لا يستحقه إلا بناء على حكم قضائي و لكن يستحق كدلك التعويض عن فقدان الشغل

    ملاحظات.

    ملا حظة أولى : التعويضات التي يتقاضاها الأجير عن الفصل بموجب صلح أو حكم قضائي تكون معفية من الضريبة على الد خل

  • التحكيم ومساطر صعوبات المقاولة أ

    [right][b]قد يبدوا مند الوهلة الأولى أنه من المستحيل إيجاد أية علاقة بين هاتين المؤسستين القانونيتين بالنظر لتناقض واختلاف الأساس الذي تنبني عليه كل منهما، فإذا كان التحكيم ينبني بالأساس على سلطان الإرادة المطلق المستمد من الاحتيار الحر للأطراف وبمحض إرادتهم للجوء إلى هذه الوسيلة لتسوية منازعاتهم معبرين عن ذالك من خلال شرط يدرجونه في العقد الذي يربط بينهم أو من خلال مشارطة تحكيم عبارة عن عقد يبرمونه فيما بينهم بعد نشوب النزاع يتفقون من خلاله على اللجوء إلى التحكيم لتسوية هذا النزاع. وفي كلتا الحالتين بمستطاعهم اختيار المحكمين
    واختيار القواعد المسطرية وكذا الموضوعية التي سيتم إعمالها للتوصل لحل لنزاع، دون رقابة عليهم في ذالك من القضاء أو من التشريع .
    فإن مساطر صعوبات المقاولة هي مؤسسة قانونية تتشكل من مجموعة من القواعد التشريعية التي تستمد أساسها من النظام العام، هذا الأخير الذي يؤطر الهدف الأسمى الذي تسعى إليه هذه المساطر، وهو محاولة إيجاد نوع من التوازن بين ثلاث مصالح قد تكون متناقضة في أغلب الأحيان : مصلحة المقاولة ومن خلالها مصلحة الاقتصاد الوطني، ومصلحة الدائنين من خلال حماية مراكز القانونية المستقرة، وفي الأخير مصلحة الإجراء ومن خلالهم حماية السلم الاجتماعي .وهي كلها مصالح تؤثث بشكل من الأشكال مفهوم النظام العام الذي يسعى إلى حمايته المشرع من خلال النصوص القانونية الآمرة والجزاءات الزجرية التي يرتبها عن مخالفتها. لذلك جاءت النصوص المنظمة لمساطر صعوبات المقاولة مليئة بطابع النظام العام من جهة، ومكتفية بذاتها إلى حد ما من خلال تضمنها لقواعد مسطرية وأخرى موضوعية أو مادية تكفي لمواجهة المشاكل التي تعترض تطبيقها من جهة أخرى.
    على أن اختلاف الأساس الذي يقوم عليه التحكيم عن الأساس الذي تقوم عليه مساطر صعوبات المقاولة، لم يجعل تصور إمكانية وجود علاقة والتداخل مستحيلا إلى هذا الحد. بل من المتصور إعمال شرط التحكيم متفق عليه في عقد ما قبل صدور الحكم الفاتح للمسطرة ، كما من المتصور متابعة إجراءات التحكيم التي تكون قد بدأت قبل صدور الحكم الفاتح للمسطرة ، بعد توقفها مؤقتا . كما يتصور في الأخير الاتفاق في حالات معينة على شرط التحكيم أثناء سير مسطرة معالجة صعوبات المقاولة.
    غير أنه من الثابت، أن اللجوء إلى التحكيم كبديل عن القضاء لفتح المسطرة وتسييرها هو من أمر مستحيل وذلك بالنظر لعدة اعتبارات تقنية وقانونية ، فالماد 5 من القانون 53-95 المحدث للمحاكم التجارية، والتي تضمنت تنظيم الاختصاص النوعي لهذه المحاكم والتي ورد في نهايتها إمكانية اللجوء إلى التحكيم بشأن النزاعات المشكلة لموضوع اختصاص المحكمة التجارية، والتي أحالت إليها المادة 308 من القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية ، لم تتضمن صعوبات المقاولة. كما أن الطبيعة التقنية لمسطرة هذه الصعوبات وما تتطلبه من إجراءات وأجهزة لتسييرها وآجال محددة تتعلق جلها إن لم يمكن كلها بالنظام العام ناهيك عن تدخل جهاز النيابة العامة فيها بشكل قوي وقدرة المحكمة على إتخاذ قرارات بشأنها من تلقاء نفسها، هي أمور تجعل من غير المتصور بل ومن غير الممكن فتح هذه المسطرة وتسييرها إلا من قبل قضاء الدولة وحده دون المحكمين .

    فقد نتصور أن دائنا ما (أ) لمقاولة ما (ب) يربطه بها عقد يتضمن اللجوء إلى التحكيم في كل المنازعات المتعلقة بهذا العقد، يطالب بدينه تجاهها بعد أن حان أجله ، فيتبين أن المقاولة متوقفة عن دفع ديونها بالمفهوم الذي حدده القانون كشرط لفتح المسطرة من مواجهتها. فلا يجوز له تحريك شرط التحكيم للمطالبة أمام هيئة التحكيم بفتح المسطرة تجاهها وذالك لعدة أسباب أهمها: - أن المسطرة عندما تفتح فإنها تهم كل الدائنين الآخرين وليس فقط الدائن الذي طلب فتحها والحال أن شرط التحكيم الإرادي لم يربط سوى بين هذا الدائن والمقاولة المعسرة وبالتالي لا تنسحب أثاره على الدائنين الآخرين الذين لم يوقعوه إعمالا لمبدأ نسبية آثار العقد .
    - بالإضافة إلى المبررات الأخرى التي رأيناها أعلاه والمتصلة بمفهوم النظام العام وأثره على مساطر صعوبات المقاولة. في حين ي ظل إعمال شرط التحكيم في مواجهة المقاولة المتعثرة ممكنا في أمور أخرى تتعلق بوجود أو بقيمة الدين أو التعويض وذلك سواء قبل فتح المسطرة أو أثناء سريانها، كما يتصور الاتفاق على هذا الشرط في حالات معينة بعد فتحها.
    ففي ما يتعلق بمصير إجراءات التحكيم التي تكون قد بدأت قبل صدور الحكم الفاتح لمسطرة التسوية أو التصفية القضائية، ذهب القضاء تؤيده في ذلك أحكام التحكيم إلى إمكانية استئناف إجراءات التحكيم بعد صدور الحكم الفاتح.
    ففي قرار لمحكمة استئناف باريس (2) كانت شركة فرنسية (EMA) قد أعطت بتاريخ 6 ماي 1986 لشركة سويسرية (ALMIRA) وكالة حصرية للتوزيع العالمي لفيلم (la dernière image) وفي 7 غشت 1986 تقدمت الشركة (EMA) بطلب تحكيم إلى جمعية التوفيق والتحكيم للمهن السينماتوغرافية بباريس، إعمالا لشرط التحكيم المضمن في العقد مطالبة بالحكم ببطلان العقد أساسا وفسخه احتياطا. وكانت المادة 7 من نظام هذه الجمعية تقضي بأن الحكم يجب أن يصدر خلال ستة أشهر من تاريخ أول جلسة يحضرها الأطراف و المادة 8 تقضي بان محكمة التحكيم ليست ملزمة باحترام القواعد المسطرة ولا الآجال المحددة في قانون المسطرة المدنية الفرنسي وبأنها تستطيع أن تحكم بناءا على قواعد العدل والإنصاف.
    وكانت أول جلسة يحضرها الأطراف بتاريخ 16 مارس 1987 حيث طالبت الشركة السويسرية بتعويضات. وفي 18 يونيو الموالي فتحت المسطرة المبسطة للتسوية القضائية والتصفية القضائية في مواجهة الشركة الفرنسية ولم تعلم به محكمة التحكيم إلا في تاريخ 06 يوليوز 1987 ، فتوقفت الإجراءات إلى أن التحق المصفي القضائي للمسطرة بإجراءات التحكيم لتستأنف هذه الأخيرة في 06 أكتوبر 1987 بين الشركة السويسرية والمصفي ممثلا للشركة الفرنسية باعتبار هذا التاريخ هو بداية أجل الستة أشهر التي يجب أن يصدر خلالها الحكم باعتباره أول جلسة يحضرها الأطراف. وفي حكمها بتاريخ 10 أكتوبر 1987 قررت محكمة التحكيم فسخ العقد لعدم تنفيذ الأطراف لالتزاماتهما المتقابلة. فطعن في الحكم من طرف الشركة السويسرية بالبطلان أمام محكمة الاستئناف بحجة أن اختصاص محكمة التحكيم ينتهي بمجرد فتح مسطرة التسوية القضائية أو التصفية القضائية بالنظر إلى تعلق هذه الأخيرة بالنظام العام ، فرفضت محكمة الاستئناف الحكم بالبطلان بعلة أن تعلق المسطرة بالنظام العام لا يؤدي إلى إنهاء إجراءات التحكيم التي تكون قد بدأت قبل فتح المسطرة وإنما يؤدي فقط إلى تعليقها المؤقت إلى حين التحاق مسير المسطرة

    أو المصفي بها لتستأنف من جديد، باعتبار مسطرة التحكيم في هذا المقام تتساوى مع الدعاوى القضائية التي توقف وتمنع إلى أن يقوم الدائن المدعي بالتصريح بدينه لتواصل بقوة القانون بعد استدعاء السنديك بصفة قانونية من أجل إثبات وجود الدين وحصر مبلغه فقط .
    وفي الجانب الآخر ذهبت إحدى محاكم التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية (2) والتي انعقدت في دمشق في حكم لها حول نزاع بين شركة سورية وأخرى فرنسية يتعلق بتسليم وتركيب سخان عملاق (chaudière)، حيث خضعت الشركة الفرنسية للتصفية القضائية بعد بداية إجراءات حكم التحكيم، فتساءلت محكمة التحكيم عن تأثير هذه الظروف على اختصاصها وعلى عملية التحكيم ككل، ذاهبة إلى أن:
    - بداية يجب ملاحظة بأنه في أي لحظة لم يقع تحت نظر محكمة التحكيم أي حكم يعلن الشركة الفرنسية تحت التصفية القضائية ولا أي حكم يقفل عمليات التصفية القضائية ضد نفس الشركة، رغم أن المصفي كان قد اكتفى بإبلاغ احد المحكمين بشكل غير رسمي بان حكما ما قد صدر من المحكمة التجارية يعينه مصفيا.
    - على أن محامي المدعي في دعوى التحكيم، حين بلغ إلى علمه افتتاح هذه المسطرة، قام بإرسال كتاب إلى المصفي يصرح فيه بديون الشركة السورية مع الإشعار بالتواصل. دون أن يتوقف عن مواصلة المشاركة في مسطرة التحكيم بصفته ممثلا للشركة السورية.
    كما اعتبرت محكمة التحكيم، بأنه مهما كانت المرحلة التي وصلت إليها الإجراءات أمامها إلا أن تصفية الشركة الفرنسية لا تعفيها (dispense) من إصدار حكمها. مدعمة موقفها بعدة إجتهادات قضائية لمحكمة النقض الفرنسية ذهبت فيها إلى تأكيد قاعدة إمكانية الاحتجاج في مواجهة الكتلة في التصفية بشرط التحكيم المدرج في عقد ابرم قبل صدور الحكم المعلن للتصفية القضائية ، مضيفة أنه من الملائم ملاحظة بان التشريع الفرنسي يسمح للمحكم بمواصلة المسطرة فورا بعد التصريح بالدين الذي تم إبلاغ نسخة منه للمحكم. ومع أن التصفية القضائية هي من طبيعة تجعل حظوظ تنفيذ حكم التحكيم الصادر لمصلحة المدعي بالحصول على دينه قليلة جدا إلا أن ذلك لم يمنع المدعي من مواصلة إجراءات التحكيم .
    وفعلا تواصلت إجراءات التحكيم وصدر الحكم. ورغم أن حكم التحكيم لا يستشف منه ما إذا كان المصفي قد تدخل في دعوى التحكيم ممثلا للشركة الفرنسية إلا أن هذا الحكم يؤكد مرة أخرى إمكانية مواصلة إجراءات التحكيم التي بدأت قبل تاريخ صدور الحكم الفاتح لمسطرة التسوية القضائية أو التصفية القضائية بناءا على شرط تحكيم أبرم بدوره قبل هذا التاريخ، ولكن بشرط أن تتوقف هذه الإجراءات فور صدور الحكم إلا أن يقوم الدائن المدعي بالتصريح بدينه ويستدعى ألسندك أو المصفي بصفة قانونية وأن تقتصر هذه الإجراءات على إثبات الديون وحصر مبلغها وفق منطوق المادة 654 من القانون التجاري.
    [/b]

    أما عندما لا تكون إجراءات التحكيم قد بدأت يوم صدور الحكم الفاتح لمسطرة التسوية القضائية أو التصفية القضائية. فإن قدرة أحد الأطراف على اللجوء إلى مسطرة التحكيم للمنازعة في الدين المصرح به تكون متصورة أيضا ولكن بشروط وضعها القضاء.

    فلقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية في قرار لها ، إلى أن القاضي المنتدب الذي ينازع أمامه في دين معين ويدفع أمامه بوجود شرط تحكيم، يكون ملزم بعد مراقبة قانونية التصريح بالدين، أن يعلن عدم اختصاصه ما لم يكن شرط التحكيم واضح البطلان أو غير قابل للانطباق. فبعد أن أصبحت الشركة (أ) موضوع تسوية قضائية، تقدمت الشركة(ب) بتصريح لديونها التي تمت المنازعة فيها من قبل الشركة (أ) فدفعت (ب) بوجود شرط تحكيم . ليخلص القاضي المنتدب إلى التصريح بعدم اختصاصه وإحالة الأطراف إلى تطبيق شرط التحكيم، تاركا المجال لمحكمة التحكيم لتحديد صحت ومدى اختصاصها وفقا لمبدأ اختصاص بالاختصاص ، رافضة بذلك محكمة النقض ما كانت محكمة الاستئناف قد ذهبت إليه من أن الحالة الوحيدة التي يسحب فيها الاختصاص من القاضي المنتدب لنظر المنازعة حول الدين هي التي تكون فيها إجراءات التحكيم قد بدأت فعلا قبل صدور الحكم الفاتح لمسطرة التسوية القضائية أو التصفية القضائية. و بأن استمرار تنفيذ العقد المتضمن لشرط التحكيم لا يبرر الخروج عن مبدأ الاختصاص الحصري للقاضي المنتدب للتقرير في قبول أو رفض الدين المصرح به.
    وبالعودة إلى التشريع المغربي نجد المادة 695 من مدونة التجارة تنص على ما يلي: يقرر القاضي المنتدب بناءا على اقتراحات ألسانديك قبول الدين أو رفضه أو يعاين إما وجود دعوى جارية أو أن المنازعة لا تدخل في اختصاصه .
    هذه العبارة الأخيرة التي يقرر من خلالها القاضي المنتدب أن المسألة لا تدخل في اختصاصه، هي التي سمحت بإمكانية إعمال شرط التحكيم الوارد في عقد كان الدين الناشئ عنه موضوع منازعة أمام القاضي المنتدب، بعد فتح مسطرة التسوية القضائية أو التصفية القضائية بشروط أجملها الاجتهاد القضائي فيما يلي:
    1- أن يتأكد القاضي المنتدب بأن التصريح بالدين قد تم بشكل منتظم محترما لكل الشكليات القانونية الواردة في أمواد من 686 إلى 690 بما في ذلك احترام أجل الشهرين الوارد في المادة 687. لان عدم التصريح بالدين وفق الشكليات المحدد في هذه المواد يجعل من اللجوء إلى التحكيم لإثبات وجود الدين أو تحديد مبلغه غير ذي جدوى مادام ألسنديك لن يستطيع تمثيل المقاولة المدينة في مسطرة التحكيم كما لن يستطيع قبول التصريح بالدين المحكوم به تحكيميا بعد انصرام اجل التصريح بالديون. ثم أن التصريح هو الذي يجعل القاضي المنتدب يقرر قبول الدين أو رفضه أو الدفع بعدم اختصاصه.
    ليفتح المجال أمام اللجوء إلى التحكيم تطبيقا لشرط التحكيم الوارد في العقد إما من خلال الطعن في قرار القاضي المنتدب القاضي بقبول الدين أو رفضه جملة أو في حدود معينة، وذلك بعدم اختصاصه أمام وجود شرط التحكيم، أو اللجوء للتحكيم تنفيذا لقرار القاضي المنتدب بعدم اختصاصه بنظر مدى وجود الدين أو عدمه أو تحديد مبلغه.

    ففي أحد القرارات لمحكمة استئناف باريس ، طلبت إحدى الشركات في إطار مسطرة استعجالية، تعيين محكم من قبل القضاء، حيث كانت إحدى الشركات المدعى عليها والتي توجد في وضعية تسوية قضائية، قد رفضت تعيينه إراديا. فرفض رئيس المحكمة تعيينه بدوره بعلة أن مقتضيات المادة L621-40 من القانون التجاري تمنع من رفع أي دعوى بعد فتح مسطرة التسوية القضائية. فألغت محكمة استئناف باريس هذا الأمر الرآسي مؤكدة أن هذا المقتضى لا يمكن أن يجرد شرط التحكيم الصحيح والمبرم قبل فتح المسطرة من أي أثر. وذهبت إلى أن قاعدة وقف المتابعات الفردية والتزام الدائن بالخضوع لمسطرة التصريح وتحقيق الديون المعتبرة من النظام العام لا تتعارض مع إعمال شرط التحكيم في إطار عملية تشكيل هيئة التحكيم. وأضافت بأن هيئة التحكيم وحدها المختصة بالنظر في موضوع صحة وحدود اختصاصها وفقا للمادة 1466 من قانون المسطرة المدنية الفرنسية وفقا لمبدأ الاختصاص بالاختصاص.
    غير أنه وفي هذه النازلة بالذات وأمام ذهول الجميع رفضت محكمة الاستئناف تعيين المحكم فورا معتبرة أنه :
    - يجب الأخذ بعين الاعتبار الطابع ألرضائي للتحكيم وبالتالي
    - يجب ترك الفرصة للأطراف لاختيار المحكم بأنفسهم حسب الطرق المحددة في هذا القرار، حيث منحتهم أجل شهر واحد من تاريخ تبليغهم بالقرار لاختياره.

    2- أن يتأكد القاضي المنتدب من أن شرط التحكيم قد اتفق عليه قبل تاريخ صدور الحكم الفاتح لمسطرة التسوية القضائية أو التصفية القضائية (وهي مسألة فيها نقاش سنراه لاحقا في هذه الورقة).
    3- أن يتأكد القاضي المنتدب من أن شرط التحكيم ليس ظاهر البطلان. بمعنى أن تكون مراقبته له مراقبة سطحية يتأكد من خلالها أنه غير ظاهر البطلان أما كمال صحته بالشروط التي حددها القانون في المادة 316 والمادة 317 من القانون رقم 05-08، فيتركها لهيئة التحكيم التي لها وحدها صلاحية مراقبة صحة اختصاصها ومدى هذا الاختصاص بمقتدى المادة 327/9 من نفس القانون.
    4- وفي الأخير يجب أن يتأكد من إمكانية انطباق شرط التحكيم وبأنه ليس هناك أي سبب يمنع من إعماله رغم صحته، أو أي سبب يجعل إعماله أصبح مستحيلا كما سقوط أهلية أحد الأطراف بحكم قضائي .
    غير أنه يجب التنبيه إلى أن قرار القاضي المنتدب بعدم اختصاصه وبإحالة الأطراف على التحكيم ليس بالقرار النهائي الذي لا يمكن الطعن فيه. ففي نزاع بين مقاول بناء وشركة تأمين حول عقد يربط بينهما ويتضمن شرط التحكيم، قرر القاضي المنتدب في مسطرة التصفية القضائية المفتوحة في مواجهة مقاولة البناء، عدم اختصاصه بالنظر في منازعة حول دين شركة التامين الذي صرحت به بشكل صحيح، معللا قراره بوجود شرط التحكيم. فطعن في قراره أمام محكمة الاستئناف، التي قررت بدوها عدم قبول هذا الاستئناف بعلة أن قرار القاضي المنتدب بعدم اختصاصه يلزم بأعمال شرط التحكيم. فطعن بالنقض في قرار محكمة الاستئناف ، حيث ذهبت الغرفة التجارية لمحكمة النقض الفرنسية إلى أن محكمة الاستئناف تكون قد جانبت الصواب حين قررت عدم قبول الطعن الموجه ضد قرار القاضي المنتدب المتعلق بقبول أو رفض الدين حتى مع وجود شرط التحكيم وإعلانه عدم اختصاصه معتبرة ان الطعن في هذا القرار لا يكون إلا بالاستئناف بناءا على المادة R624.7 ق.ت .

    وهي المادة التي تقابلها في التشريع المغربي المادة 697 من مدونة التجارة، غير أن الطعن بالاستئناف في قرار القاضي المنتدب لا يتعلق بمدى إمكانية إعمال أو عدم إعمال شرط التحكيم بقدر ما يتعلق بصحة قرارات القاضي المنتدب بقبول الدين أو رفضه أو عدم اختصاصه بنظر المنازعة في الدين عندما يكون الاختصاص راجع للمحكمة التي فتحت التسوية القضائية أمامها.
    ففي قرارين لمحكمة النقض الفرنسية صادرين في نفس اليوم يتعلق الأول بشركتين تعرضتا لتسوية القضائية، فصرحت شركة ثالثة بدينها الذي تمت المنازعة فيه أثناء مرحلة تحقيق الديون، فقامت هذه الأخيرة بالدفع أمام القاضي المنتدب بشرط التحكيم. فاعتبرت محكمة الاستئناف بان القاضي المنتدب غير مختص أمام وجود هذا الشرط وأحالت الأطراف على تطبيقه، وتركت للمحكمين مسألة صحة ومدى اختصاصهم. فطعنت الشركتين وممثلي الدائنين والقاضي المنتدب في قرار محكمة الاستئناف. ذاهبين الى أن مسطرة التحكيم الجارية يوم صدور الحكم الفاتح لمسطرة التسوية وحدها تسلب القاضي المنتدب اختصاصه في قبول أو رفض دين ما. وفي غياب ذلك، فإن شرط التحكيم لا يسمح بخرق الاختصاص ألحصري للقاضي المنتدب. فرفضت محكمة النقض هذا الطعن معتبرة أنه عندما لا تكون مسطرة التحكيم جارية يوم صدور الحكم الفاتح لمسطرة التسوية فإن القاضي المنتدب المنازع أمامه في الدين والمدفوع بشأنه بوجود شرط التحكيم، مطالب بعد فحص نظامية التصريح بالدين أن يعلن عدم اختصاصه ما لم يكن اتفاق التحكيم ظاهر البطلان أو غير قابل للتطبيق. حيث أنه وبمقتضى المادة 695م. ت المغربية والمقابلة للمادة L621-40 من القانون التجاري الفرنسي لا تسمح للقاضي المنتدب إلا باتخاذ قرارات محددة على سبيل الحصر فيما يتعلق بقبول الدين أو رفضه أو معاينة وجود دعوى جارية أو أن المنازعة لا تدخل في اختصاصه. ومن ثمة، فإن النزاعات التي تتجاوز اختصاصه يجب بالضرورة إحالتها على الجهة المختصة وهو ما ينطبق على النازلة المذكورة أعلاه .
    على أنه لا يجب نسيان المكنة التي تمنحها المادة 573 من مدونة التجارة والتي بموجبها يختار السنديك العقود الجارية التي سوف يحتفظ بها وتلك التي سوف ينهيها أو يفسخها، ذلك أن العقود التي يختار استمرارها يمكن أن تتضمن شرط تحكيم لنظر النزاعات التي قد تقوم بشأنها، وبالتالي يكون السنديك ملزم باحترام هذا الشرط في كل مرة يحدث ما يثيره .
    كما أن المادة 606 من مدونة التجارة تنص على أن المحكمة تحدد عقد الائتمان الإيجاري أو عقود الكراء أو التزويد بالسلع أو الخدمات الضرورية للحفاظ على نشاط المقاولة، بل وتضيف بأن الحكم الذي يحصر مخطط التفويت يكون بمثابة تفويت لهذه العقود. وبالتالي إذا تضمنت هذه العقود شرطا تحكيميا فيجب احترامه وانتقاله مع التفويت الذي تم للعقود بموجب الحكم الذي حصر مخطط التفويت .
    على أنه في جميع الأحوال، الحكم التحكيمي الصادر في هذه المرحلة يكون تنفيذه هو قبول الدين في خصوم التسوية أو التصفية فقط وليس الأداء بالأسبقية. بل فقط معاينة واقعة وجود الدين أو مبلغه والتي تسمح بقبوله على أن يكون قد سبق التصريح به للسنديك أو المصفي حيث تنص المادة 655 من مدونة التجارة المغربية على أنه تضمن المقررات المكتسبة لقوة الشيء المقضي به الصادرة بعد مواصلة الدعوى، في قائمة الديون من طرف كاتب ضبط المحكمة بطلب من المعني بالأمر.

    أما في ما يتعلق بالصورة الثالثة التي يمكن أن تتخذها العلاقة بين التحكيم ومساطر صعوبات المقاولة، فهي المتمثلة في إمكانية الاتفاق على شرط التحكيم بعد تاريخ صدور الحكم الفاتح لمسطرة التسوية القضائية أو مسطرة التصفية القضائية. فإذا كانت المادة 571 من مدونة التجارة تنص على أنه يتابع نشاط المقاولة بعد إصدار حكم التسوية القضائية. والمادة 620 من نفس القانون تنص على أنه إذا اقتضت المصلحة العامة أو مصلحة الدائنين استمرار نشاط المقاولة الخاضعة للتصفية القضائية، جاز للمحكمة أن تأذن بذلك لمدة تحددها إما تلقائيا أو بطلب من السنديك أو وكيل الملك. فإن السؤال الذي يطرح هو هل يمكن أن يمتد استمرار النشاط هذا رغم التسوية أو التصفية إلى حد إمكانية الاتفاق على شرط التحكيم أو إبرام عقد تحكيم بمناسبة التصرفات التي يتطلبها هذا الاستمرار في النشاط؟.

    يبدو أن لا شيء في النصوص يمنع من الناحية المبدئية من ذلك فالمادة 576 تحدد سلطات السنديك في إما مراقبة عمليات التسيير أو مساعدة رئيس المقاولة في جميع الأعمال التي تخص التسيير أو في بعضها وإما بأن يقوم لوحده، بالتسيير الكلي أو الجزئي للمقاولة. وهو ما يؤكد أنه سواء كان رئيس المقاولة أو السنديك هو من يقوم بتسيير المقاولة في هذه الفترة فإن لاشيء يمنعهم في إطار التسيير العادي لهذه المقاولة من الإتفاق على التحكيم.
    على أنه إذا كانت المادة 657 من مدونة التجارة تنص على أنه يترتب على حكم فتح المسطرة بقوة القانون منع أداء كل دين نشأ قبل صدوره. فإن المادة 578 من نفس القانون تسمح للقاضي المنتدب أن يرخص لرئيس المقاولة أو للسنديك بتقديم رهن رسمي أو رهن أو بالتوصل الى صلح أو تراضي وإذا كانت قيمة موضوع الصلح أو التراضي غير محددة أو تتجاوز الاختصاص النهائي للمحكمة فإن ذلك يعرض على مصادقتها.
    حيث اعتبر البعض أن متابعة نشاط المقاولة في حالة التسوية أو التصفية المنصوص عليه في المواد 571و620 من مدونة التجارة، لا يكفي لوحده للسماح بإبرام اتفاقيات تحكيم بمناسبة التصرفات التي يتطلبها هذا الاستمرار في النشاط. وأن الاتفاق على التحكيم يدخل ضمن نطاق المادة 578 وبالتالي لإمكان إبرامه يجب الحصول على ترخيص مسبق بذالك من القاضي المنتدب أو المحكمة بحسب الأحوال .
    هكذا نكون قد رسمنا معالم العلاقة التي يمكن أن تبرم بين التحكيم ومساطر صعوبات المقاولة في مختلف المراحل: قبل صدور الحكم الفاتح لمسطرة التسوية القضائية أو التصفية القضائية أو بعد صدور هذا الحكم وإمكانية الاتفاق على شرط التحكيم أو عقد التحكيم خلال مرحلة استمرار النشاط بمناسبة التسوية أو التصفية لنخلص إلى أن الأساس الإرادي للتحكيم وتعلق قواعد مساطر صعوبات المقاولة بالنظام العام لا يمنع من تعايشهما بشكل من الأشكال بشروط تحكم كل مرحلة من المراحل المذكورة .